خلق الله تعالى هذا الكون و سخر للإنسان كل ما فيه لخدمته، و جعله مكرما على جميع المخلوقات و قادرا على تذليل الصعوبات التي يواجهها في الحياة اليومية، و على استغلال ما تحتويه الأرض من مكونات مختلفة لكي يؤدي دور خلافة الله فيها، و طبعا تختلف هذه المكونات بأشكالها و ألوانها و أدوارها في هذه الحياة، و لكل مكون و عنصر منها له دور خاص يقوم به، و تتكامل هذه العناصر مع بعضها لتكمل سلسلة طبيعية تتفاعل فيما بينها وتؤدي أدوارا متكاملة تؤدي إلى استمرار الحياة على الأرض، وخلال هذا المقال سنقدم تعريف البيئة مع الآليات و طرق التعامل السليم للطفل معها لتحقيق تربية بيئية سليمة.
تعرف البيئة على أنها الوسط التي تعيش فيه الكائنات الحية وتتفاعل فيما بينها فيه، وتؤدي فيه أدوار خاصة تتلائم مع الوظائف والخصائص الطبيعية التي وجدت فيها، ويتسع مفهوم البيئة ليشمل عدة عناصر لا غنى عنها في هذا المحيط المتكامل فتشمل الماء والهواء والمناخ والتربة وما تحتويه الأرض في باطنها، إضافة إلى الكائنات الحية التي تعيش فيه وتتفاعل مع مكوناته.
يدرس علم البيئة هذه العلاقات الخاصة فيما بين الكائنات الحية مع محيطها، وكيف تبدأ دورة الحياة في هذه الأوساط البيئية المختلفة من الحيوانات المفترسة وانتهاءً بالكائنات المجهرية التي تعمل على تحليل بقايا الكائنات الحية وتخلّص البيئة منها بشكل طبيعي، حيث إن كل عنصر من هذه العناصر له دور تكميلي و حيوي للعناصر الأخرى.
و طبعا المحيط أو البيئة التي يعيش فيها الطفل لها تأثير عميق وفعّال في حياته وتكوّن شخصيّته، إذ يتأثر بها منذ نعومة أظفاره، يكتسب أخلاقه و ممارساته و طريقة تفكيره منها وينفعل بما يجري حوله من ممارسات، أكانت إيجابية أو سلبية.
من هنا جاء التأكيد في التربية الإسلاميّة على القيم والأخلاق والمبادئ، كحقائق مستقلّة متعالية على تأثيرات الواقع و المحيط، ليتمكن بواسطتها الإنسان أن يصون نفسه و الآخرين من الآثار السلبية لهذا المحيط أو البيئة.
و قد تبيّن أنّ للوالدين، و سلوك العائلة، و وضعيّة الطفل داخلها، و عاداته، و أسلوب حياته، الأثر المباشر و الكبير على سلوك الطفل و كيفيّة تفكيره. أيضا للمعلّم، و الأصدقاء، و المجتمع و وسائل الإعلام لهم دور كبير في تحديد شخصيّة الطفل و صقلها و بلورتها و تحديد معالمها. كذلك لا ننسى أن لإرادة الإنسان الذاتيّة القويّة أيضا دور فعّال في تحديد سلوكه و معتقداته و ممارساته.
و من إحدى القواعد الأساسيّة في تربية الطفل، أن نربيه على مبادئ احترام البيئة و الطبيعة و الاهتمام و العناية بها و ترغيب و تشجيعه على استلهام أسمى معاني الحبّ والبهجة والجمال والأمن منها ، وتشويقه على البحث والمعرفة والاكتشاف .
و مما لا شك فيه أن الطفل يتفاعل سلبا أو إيجابا مع الطبيعة حسب ما تلقن من مبادئ و ممارسات فمثلا صوت الرعد و وهج البرق و نباح الكلب و دويّ الريح و سعة البحر و وحشة الظلام ، عناصر عادة تثير مخاوفه ، و تبعث في نفسه القلق و الاضطراب و الخوف ، و تجعله ينظر إليها بحذر و تردّد ، و يعدّها في عداد العدوّ و الخطر . و غالبا ما يتطوّر عنده هذا الشعور ، و يأخذ أشكالاً مختلفة ، و قد تتطوّر هذه التحوّلات مع نموّ الطفل، و بالتالي تترسّب حالات الخوف في نفسه ، و تنمو شخصيّته على القلق و التردّد و الاضطراب و الخوف و الجبن .
و كما أنّ لهذه الظواهر الطبيعيّة و أمثالها ، هذا الأثر السلبيّ في نفسيّة الطفل ، فإنّ منها مثلا ماله التأثير الإيجابي و النافع في نفسه ، فنجده يفرح و يسرّ بمنظر الماء والمطر ، و تمتلئ نفسه سروراً و ارتياحاً بمشاهدة الحقول و الحدائق الجميلة ، و يأنس بسماع صوت الطيور ، و ترتاح نفسه حين اللعب بالماء و التراب و الطين .
و خلاصة القول يجب في كلتا الحالتين أو في كل الأحوال التعامل مع الطفل، وتدريبه على مواجهة ما يخاف منه، وإعادة الثقة في نفسه ومنحه الصورة الحقيقية عن الحياة.
و ممّا هو مهمّ جدّاً في دور التربية هو أن نجيب الطفل ـ بكل هدوء و بساطة و ارتياح و حبّ و رحابة صدر ـ عن جميع تساؤلاته حول المطر و الشمس و القمر و النجوم و البحر و الظلام و صوت الرعد و… بما يرضيه و يريح نفسه. و بذلك ننمّي روح الإقدام فيه و حبّ الاستطلاع، و الطبيعة و ما فيها من خلق الله عزَّ وجلَّ البديع العجيب.. لينشدّ إليها، و يعرف موقعه فيها، و يدرك عظمة خالقه، و مواطن القدرة و الإبداع، و دوره فيها.
فينشأ فرداً سليماً نافعاً ذا إرادة تجنّبه الانحراف و فعل الشرّ ، و ذا عزيمة على الإقدام على فعل الخير و يتركّز في نفسه مفهوم علميّ و عقائديّ مهم بأنّ الطبيعة بما فيها هي من صنع الله عزَّ وجلَّ و إنّ الله قد سخّرها لخدمة الإنسان، ليتصرّف فيها و يستفيد منها، و يكيّف طاقاته و يستغلّها بما ينفعه و ينفع الناس.
