بين الرصاص و القانون: إعدام الأسرى الفلسطينيين و مطالب “تصفية السجون”

2٬270

- Advertisement -

الخبير الحقوقي الدكتور هيثم القرعان- الأردن

لا يزال ملف الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية واحداً من أكثر الملفات إيلاماً و تعقيداً في الصراع. و إلى جانب معاناة الاحتجاز و التعذيب، برزت في السنوات الأخيرة قضيتان شائكتان و مترابطتان: “إعدام الأسرى” برصاص قوات الاحتلال خلال المداهمات، و الأخطر من ذلك، الدعوات العلنية التي يطلقها مسؤولون عسكريون و أمنيون إسرائيليون لتنفيذ عمليات إعدام بحق الأسرى داخل السجون أنفسهم. هذا المقال  مقاربة هذه الجرائم في ضوء أحكام القانون الدولي.

أولاً: الإعدام الميداني خارج القانون

غالباً ما تروي الشهادات الحقوقية عمليات إطلاق نار مباشر و قاتل تجاه فلسطينيين يُفترض أنهم “مطلوبون”، في ظروف لا تشكل تهديداً وشيكاً. بعض الحالات تحدث أثناء مداهمات ليلية، حيث يُقتل الشاب برصاصة في الرأس من مسافة قريبة، لتعلن إسرائيل لاحقاً أنه “حاول الهروب” دون أدلة مستقلة. من وجهة نظر القانون الدولي، تنظم اتفاقيات جنيف، و خاصة الاتفاقية الرابعة، قواعد التعامل مع المحتجزين. المادة 32 تحظر صراحة “أي إجراء من شأنه أن يسبب الألم أو الإبادة البدنية، بما في ذلك القتل”. هذه العمليات تندرج تحت تعريف “الإعدام خارج القانون” (Extrajudicial Killing)، و هي جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (المادة 8).

ثانياً: الأخطر.. الدعوات العسكرية لـ”إعدام السجون”

بينما تركز وسائل الإعلام على القتل أثناء المواجهات، يبرز وجه أكثر قتامة لهذه الجريمة: تصريحات علنية لقادة عسكريين و سياسيين إسرائيليين يطالبون فيها بإعدام الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين. هذه الدعوات لم تعد مجرد شائعات، بل أصبحت تطالب بتنفيذ “عقوبة الإعدام” بحق أسرى عملية “طوفان الأقصى” أو الأسرى الأمنيين بشكل جماعي. هذه المطالب تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي لأسباب عدة:

اتفاقية جنيف الثالثة (بالنسبة لأسرى الحرب) تحظر تماماً أي عمل انتقامي ضد الأسرى، و تعتبر قتلهم جريمة خطيرة (المادة 130).

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية (المادة 6) يفرض قيوداً مشددة على تطبيق عقوبة الإعدام، و لا يسمح بها إلا بعد محاكمة عادلة كاملة التوصيف، و هو ما لا توفره المحاكم العسكرية الإسرائيلية للأسرى الفلسطينيين. كما يحظر الإعدام دون محاكمة أو بإجراءات جماعية.

المادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف، التي تُعتبر “معاهدة مصغرة” لحقوق الإنسان في زمن النزاع المسلح، تحرم صراحة “الإعدام دون محاكمة سابقة أمام محكمة نظامية”.

ما تقوم به هذه الأصوات العسكرية هو تحريض مباشر على ارتكاب “جريمة حرب”، وفقاً للمادة 25 من نظام روما الأساسي التي تجرم التحريض العلني على ارتكاب الإبادة أو جرائم الحرب. إن تحويل السجون إلى “غرف إعدام” بدون قضاء هو عودة إلى عصور الهمجية القانونية.

صمت القانون أمام صوت الرصاص و الخطاب العنصري

إن ظاهرة إعدام الأسرى في الميدان، مقترنة بهذه الدعوات العلنية لتصفية السجون، ترسم صورة مقلقة عن ثقافة الإفلات من العقاب داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. عندما يطالب جنرالات علناً بإعدام أسرى عزل، فإنهم لا ينتهكون القانون الدولي فحسب، بل يقدمون نموذجاً خطيراً يشرعن القتل خارج القضاء. يبقى السؤال للمجتمع الدولي: هل سيكتفي بالإدانة مرة أخرى، أم سيتحرك لمحاكمة المحرضين و الجلاّدين على حد سواء، قبل أن تتحول السجون إلى مقابر جماعية تحت غطاء “الضرورة الأمنية”؟

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ajleeonline.com