الخبير الحقوقي الدكتور هيثم محمد القرعان- خبير و محكم – فئة A- الأردن
في مشهد العدالة بالمملكة المغربية، حيث تتقاطع النصوص القانونية مع الممارسة اليومية، تبرز فئة مهنية تؤدي دوراً أساسياً في سير العمل داخل مكاتب المحامين، لكنها تظل بعيدة عن دائرة الاهتمام و الحماية: إنها النساء العاملات في مهنة كتابة المحاماة. و رغم ما يضطلعن به من مهام دقيقة تتطلب معرفة قانونية و مهارة تنظيمية عالية، إلا أن أوضاعهن المهنية لا تعكس حجم هذا الدور و لا تتماشى مع الضمانات التي يكفلها القانون. تُعد كاتبة المحاماة حلقة محورية في تدبير الملفات القانونية، فهي التي تُعد المذكرات، و تنسق الوثائق، و تتابع الإجراءات القضائية، و تؤمن التواصل بين المحامي و الإدارات المختلفة. هذا الدور، الذي يشكل العمود الفقري للعمل اليومي داخل المكتب، يُمارس في كثير من الأحيان في ظل غياب أبسط شروط العمل اللائق، من عقود رسمية، و أجور عادلة، و تغطية اجتماعية.
المفارقة الصارخة تكمن في أن الإطار القانوني المغربي لا يفتقر إلى النصوص التي تضمن هذه الحقوق. فـالدستور المغربي لسنة 2011 ينص بوضوح في فصله التاسع عشر على المساواة بين الرجل و المرأة في الحقوق و الحريات، و يؤكد في الفصل 31 على الحق في الشغل، كما يدعو في الفصل 34 إلى حماية الفئات الهشة. و هي مقتضيات تنطبق بشكل مباشر على النساء العاملات في مهنة كتابة المحاماة، باعتبارهن ضمن فئة مهنية غير منظمة تعاني من الهشاشة. أما على مستوى التشريع العادي، فإن مدونة الشغل (القانون رقم 65.99) تضع إطاراً واضحاً ينظم العلاقة بين الأجير و المشغل، حيث تُلزم المادة 15 بإبرام عقد شغل، و تقر المادة 16 بإمكانية إثبات العلاقة الشغلية حتى في غياب عقد مكتوب، فيما تنص المادة 24 على ضرورة احترام كرامة الأجير. كما تُلزم المواد المتعلقة بالضمان الاجتماعي، خاصة المادة 346 و ما يليها، المشغل بالتصريح بالأجراء و تمكينهم من التغطية الاجتماعية.
و رغم وضوح هذه النصوص، فإن الواقع يكشف عن فجوة عميقة بين القانون و التطبيق. فعدد كبير من النساء العاملات في مكاتب المحاماة يشتغلن دون عقود، و بأجور لا تتناسب مع حجم العمل، و دون أي استفادة من الضمان الاجتماعي أو التأمين الصحي. و يُفاقم هذا الوضع غياب إطار قانوني خاص ينظم مهنة كتابة المحاماة، مما يجعلها في منطقة رمادية بين العمل الإداري و العمل القانوني، و يُصعّب إخضاعها لرقابة فعالة. هذا التهميش لا يعود فقط إلى غياب النصوص، بل إلى ضعف تفعيلها، و غياب آليات المراقبة، فضلاً عن غياب تمثيل مهني قادر على إيصال صوت هذه الفئة إلى صناع القرار. كما أن الخوف من فقدان العمل في ظل غياب الاستقرار الوظيفي يدفع العديد من العاملات إلى القبول بالأمر الواقع، رغم إدراكهن لعدم قانونيته.
إن تحسين أوضاع النساء العاملات في مهنة كتابة المحاماة لا يُعد مطلباً فئوياً ضيقاً، بل هو جزء من إصلاح أوسع لمنظومة العدالة. فلا يمكن الحديث عن عدالة ناجزة داخل المحاكم، في حين تُنتهك حقوق من يساهمون في إعداد ملفاتها داخل المكاتب. و عليه، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق الاعتراف النظري إلى الفعل العملي، عبر تفعيل مقتضيات مدونة الشغل، و إلزامية التصريح بالعاملات، و تعزيز دور مفتشية الشغل، و العمل على إصدار إطار قانوني خاص ينظم هذه المهنة و يضمن حقوق العاملين فيها. كما أن تشجيع تأسيس هيئة أو نقابة مهنية من شأنه أن يمنح هذه الفئة صوتاً جماعياً قادراً على الدفاع عن حقوقها. في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: النساء العاملات في مهنة كتابة المحاماة في المغرب لا يطالبن بامتيازات، بل بحقوق يكفلها الدستور و القانون. و بين نصوص متقدمة و واقع متعثر، يظل السؤال قائماً: متى تتحول هذه الحقوق من حبر على ورق إلى واقع يُنصف المرأة داخل بيت العدالة؟

