حمد الله البوعزاوي
في وقت تتصاعد فيه التوترات بين موسكو و الغرب، تتجه أوروبا بخطى متسارعة نحو إعادة تشكيل فلسفتها الأمنية و الدفاعية، في مشهد يعيد إلى الأذهان التحولات العميقة التي سبقت اندلاع الحروب الكبرى خلال القرن العشرين. فالسياسات التي تعلنها اليوم دول مثل فرنسا و ألمانيا و هولندا لم تعد مجرد إجراءات ظرفية، بل باتت تعبيراً عن قلق بنيوي من مستقبل غامض، و احتمال تكرار سيناريوهات صادمة على غرار ما حدث بين 1914 و 1945. لم يكن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الخميس الماضي، إطلاق خدمة عسكرية طوعية للشباب بين 18 و 19 سنة ابتداءً من منتصف 2026 خطوة عادية. فالبلد الذي يمتلك أقوى جيش داخل الاتحاد الأوروبي و عضواً نووياً في “الناتو” لا يقدم على هذه التحركات إلا في ظل تحوّل كبير في تقدير المخاطر.
و وفق ماكرون، فإن الخدمة ستكون داخل الأراضي الفرنسية فقط، و تهدف إلى تعزيز المهارات الوطنية و رفع جاهزية الشباب لمواجهة أي أزمات محتملة، في ظل بيئة دولية تتغير بسرعة و تفرض مسؤوليات جديدة على الجيل الصاعد. على الجانب الآخر، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن مشروع شامل لإعادة تشكيل الجيش الألماني، ليصبح الأقوى أوروبياً خلال العقد المقبل. هذه التحركات تُقرأ في برلين باعتبارها رداً مباشراً على تراجع المظلة الأمنية الأمريكية و تنامي النفوذ الروسي. و مع أن أوروبا تقول إن هدفها “الردع”، إلا أن حجم التحضيرات يشي بأن صناع القرار يتعاملون مع المستقبل على أساس احتمال حدوث مواجهة عسكرية خلال السنوات المقبلة. من جهته، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد استعداد بلاده لتقديم ضمانات مكتوبة بأنها لا تنوي غزو أوروبا. لكن تصريحات قادة الجيوش الأوروبية، و من بينهم رئيس أركان الجيش الألماني تحذر من أن السنوات الأربع القادمة ستكون “حاسمة” لاختبار قدرة القارة على مواجهة أي تهديد مباشر.

