الأستاذ و التلميذ تكامل أم تنافر

419

- Advertisement -

استاد

سارة لعريوي

أصبح من المتفق عليه أن علاقة الأستاذ بالتلميذ كانت في السنوات التعليمية القديمة، ذات طابع سلطوي تحكمي من طرف الأستاذ الذي كان يفرغ كل ما بجعبته للمتعلم، فما كان بيده حيلة سوى الانقياد والخضوع والخنوع لسلطة الأستاذ، فقد كان لا يمنح فرصة للمتعلم للتعبير عن منظوره الخاص وما يكتنفه ويخالجه.

وبإمكاننا أن نقول إن دور التلميذ في الطريقة التقليدية كان سلبيا يتوقف على جمع المعلومات وتكديسها وحفظها، كما أنه لا يساهم في المشاركة في إغناء المعلومات المحصل عليها، بل يقتصر على تقبلها دون أن يكون له رأي أو تعليق.

أما فيما يتعلق بالأستاذ فيجدر به أن يكيف المعارف حسب مستوى التلاميذ المعرفي، ويعالجها في ضوء الأهداف المراد تحقيقها، وأن يتفاوض معهم في وضع خطط ومشاريع وتوزيع المهمات وتقويم النتائج المتوصل إليها وتقديم الاقتراحات البناءة.

وما يلفت الأنظار اعتماد الشيوخ من الفقهاء في التعليم قديما على الأساليب العتيقة في الإنتاج، وعدم سعيهم للاتصال بالتيارات التجديدية كي يفيدوا ويستفيدوا، حيث يتم توظيف أسس تعليمية جامدة تعود إلى سنوات غابرة مضت. إن التعليم قديما كان محاطا بأفكار دينية إسلامية فظلت الدراسة بذلك تحوم في هذا المجال فحسب، دون النظر في مجالات إبداعية وأدبية أخرى تسمح للتلميذ في التعبير والإسهاب فيه، بيد أن بعض الشيوخ كان يعتبر التفكير في علوم المنطق والفلسفة والفلك من قبيل المحرم المحظور.

العوامل المساعدة على توارث العلم:

تكمن أساسا في التنشئة في محيط علمي وتربوي منذ نعومة أظافرهم وهم ألفوا العلم في حياتهم،وذلك لأنهم مغارين بالعلم والمعرفة، ومن خلال التعود على الحضور للمجالس العلمية التي تنعقد بين الفينة والأخرى. فينعكس هذا على عطائهم ومردوديتهم العلمية.

كما يعود الفضل في نبوغ عدد من الأعلام بالمغرب إلى دراستهم المبكرة في بيوتهم مثل:“محمد بن غازي ت 919 ه”،الذي حفظ من أمه “رحمة بنت الجنان” حديثا كثيرا فلم يتعب في حفظه بعد الكبر،كما تعلم منها الكثير من قصص القرآن وأخباره مما كان له أثر في تحصيله الدراسي بعد ذلك.

إن هذا يؤكد أن توفير المناخ العلمي والتربوي من شأنه خلق دافع لدى المتعلمين من أجل طريق منفتح للنجاح.وهذا النجاح موكول على تتبع الفقهاء والإنصات لهم والاستماع لإرشاداتهم وتعليماتهم،حيث تجد أن بعض الفقهاء ينتابهم الخوف من خطورة ترك الحرية للمتعلم لأخذ العلم من الكتب،لما قد يؤدي إليه من جنوح فكري أو انحراف مذهبي،بتلقي العلم من الكتب من غير راقب أو موجه من المعلمين،مثلما حدث مع “ابن حزم الظاهري” بالأندلس،الذي نُقِم عليه ذلك وأنكروه عليه وَحُظِرَ بيع كتبه بالأسواق.

وهذا يجعلنا نتبنى موقفا مفاده أن أخذ العلم عن الشيوخ يعد فريضة، والخروج عن هذه القاعدة يعد خطأ وتجاوزا عن الإطار العلمي المتعارف عليه. وفي هذا قالوا: {عليك بالأستاذ في كل علم تطلب اكتسابه.}- “موفق الدين البغدادي “-

ولهذا وجب احترامه والتقرب منه قدر الإمكان لأنه مورد العلم والمعرفة.

وفي هذا الصدد تستوقفنا قصيدة “علال الفاسي حول المعلم التي تغنى فيها قائلا:

المعلم

أَمـُعَلِّمِي لَـكَ مِـــــنّةٌ                  عِنْدِي سَأَعْرِفُ قَدْرَهَا

وَإِذَا حَيِيتُ فــَإِنَّنِـــــــي                  لاَبُـــدَّ أُكْــتِرُ ذِكْــرَهَـا

لِي مِنْ دُروسِكَ رَوْضَةٌ                فِــيهَا زُهُــورٌ يَــانِـعَــهْ

مَا دُمْــتُ فِي بُسْــتاَنِـــهَا               أَجْــنِي الثِّمَــارَ النَّافِعَـــهْ

أَقْـصَــى مُــرَادِكَ أَنَّنِـــي                أَغْـدُوا كَــمِثْــلِكَ عَــالِمــا

و إذَا نَـطَقْــــــتَ بِحِكْمَة                أَلْــفَيْتَـــنِي لَـكَ فَــاهِــمــا

فَأَنَــا لِفَضــْلِكَ شَــاكِــرٌ                وأَنـَا لأَمْــرِكَ مُــمْتَــثِــلْ

إِنِّي بِــمَا كَـــــلَّفْتَـــــني                  فِي الدَّرْسِ حِينا مٌشْتَعِـلْ

أرْعَى وصــَاتَكَ دَائــما                     بِالجِـــدِّ فِــي وَقـْتِ الطَّلَبْ

فَإِذَا نَجَحْــتُ فَإِنّــَنِـــي                أَقْضي لِشَعْـبي مَا وَجَبْ.

وقد تغنى أيضا الشاعر “أحمد شوقي” بالمعلم ومدحه قائلا:

قُْمْ لِلْمُعلِّم وَفِّهِ التّبْجِيلا                  كَادَ المُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولا

أَرَأَيْتَ أَشْرَفَ أَوْ أَجَلَّ مِنَ الذِي          يَبنِي وُينشِئُ أَنْفُسا وَعُقُولا

شروط امتهان مهنة التدريس:

و بالتالي فالعملية التعليمية التعلمية تتطلب المدرس الناجح المتفوق الذي لا يعتلي منبر العلم، إلا وقد اختمرت بذهنه رسالة التعليم العظمى التي يثاب عليها أمام الله عز وجل. وهذا يتجلى في غضون التحلي بمجموعة من القواعد والضوابط من بينها ما يلي:

  • لابد للمدرس من أن يحترم عقلية طلابه فيشجع آراءهم، ويثني على اللطيف من إجاباتهم حتى يدفع بهذا الجيل إلى التخيل والبحث والابتكار.
  • يجب على المدرس أن يحترم عمله ومواعيده وإدارة مدرسته، فيكون بذلك قدوة حسنة لطلابه.
  • ألا يدع من المنهج الدراسي ما يستوجب اللجوء إلى الدروس الخصوصية خارج جدران المدرسة، فتلك أمانة ورسالة سيحاسب عليها أمام الله عز وجل.
  • من أمراض التعليم اليوم أن يحكي المدرس تجربته لطلابه بدافع الظهور، وليس بدافع التوجيه الرشيد والقدوة الحسنة، وهو بذلك يفقد الكثير من قدسية رسالته.
  • إذا كان لابد للمدرس من الاستطراد، فليكن استطراده محمودا دونما تفصيل، حتى لا تضيع الفكرة التي من أجلها قد استطرد، فيكون الاستطراد حينذاك بمثابة المثال الموضح المفسر فحسب.
  • عدم اللجوء إلى ضرب المشاغبين أو المقصرين من الطلاب حتى لا ينشأ في هذا الجيل الطالب الجبان والمتبلد، بل عليه أن يتوخى سياسة بث روح المودة والألفة والصداقة بينه وبين طلابه وفيما بينهم.

وكل هذا لتحقيق تربية سليمة ملائمة للتلاميذ، مفتاحها الحقيقي الانفتاح على الآخر عبر الحوار التبادلي الذي يشترك بصددهالأستاذ والمحيط المدرسي والأسرة، والوسيلة الفعالة لمساعدته في مسيرته هي التعاون.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ajleeonline.com