محمد أمين – كاتب فلسطيني-
تستحق الحسرة.. غابت “مي سكاف” في لحظة فارقة، و كأنها رحلت حسرةً على الثورة في بلدها سورية، و تركت في قلوبنا حسرة على روحها التي عانقت تلك الهبة اليتيمة، ثورة 2011 السلمية المدنية الراقية. رحيلها فارق في توقيته، حيث تمر الثورة السورية بمرحلة انكسار، و تقهقر، جراء التآمر الدولي، و الخذلان العربي، و كأن روح “مي” لم تطق رؤية نهاية هذا الحلم، فغادرت على عجلٍ قبل إسدال الستارة على واحدةٍ من أكثر ثورات التاريخ مشروعية.
“لن أفقد الأمل، إنها سورية العظيمة و ليست سورية الأسد”.. كانت الكلمات الأخيرة ل”مي” التي خطت مسارا مختلفا عن كثيرين من أصحاب الشوارب في “باب الحارة”، ممن مثلوا الرجولة و البطولة على مشاهدي أجزاء الحارة، ثم سرعان ما تبين أن شواربهم اصطناعية، و من متطلبات التصوير و المكياج لا أكثر و لا أقل، إذ عندما دقت ساعة الحرية اختاروا الانحياز للقاتل في كوميديا حمراء بلون الدم، فيما أعلنت “مي سكاف” مبكرا انحيازها للحرية، فكانت بحق أيقونة الثورة.
أبدعت الفنانة الراقية في آخر حديث صحافي أجرته في اختزال معنى الثورة و تكثيفه، و حفرت بكلماتها الأخيرة تعريفا وطنيا للثورة، و تضحياتها، يتجاوز كل المزايدات و يقطع الطريق على ” شبّيحة الثورات المضادة” و “تجار الثورات”، حينما قالت: “بقي من الثورة الشهداء و الفكرة، و الفكرة لا تموت، فكرة الثورة في داخلنا، ماذا أمامنا أن نفعل بعد كل هذا التخاذل الدولي تجاه الثورة السوريّة، بعد كل ما حدث من فواجع و قتل و كوارث، هل نصمت و يكون الثمن هو بقاء هذا الحاكم الأرعن المستبد؟ حتّى لو بعد عشرات السنين سيأتي من يحمل راية الثورة، هذه هي ديالكتيكيّة الحياة، لن نسمح لهذا “الأرعن” أن يفلت من العقاب، كما أفلت والده حافظ الأسد بعد مجازر الثمانينات”.
و تبدو هذه المعاني التي وقعت بها “مي” فراقها الحياة درسا يستحق أن يُرسم بمداد من ذهب، فالثورة فكرة، لا تقاس بالزمن و حجم التضحيات، هي موجةٌ صحيحٌ ربما أن الأنظمة المستبدة نجحت في كسرها، لكنهم عاجزون عن وقف هديرها، فمئات الآلاف من الثوار و الشهداء و الجرحى و المهجّرين هم دوما من يخلدون في كتب التاريخ، أما المستبدون فمصيرهم النسيان. .. من قال إن من يناضل لابد أن يشهد الانتصار؟ عندما تناضل من أجل فكرة لا يعني ضرورة أن تشهد انتصارها في حياتك، بل يكفيك أن تموت و أنت قابضٌ على جمرها، مؤمن بعدالتها، واثق بأنك أديت ما عليك تجاه استمرار شعلتها، تراهن على الأجيال القادمة، فالثورات قطار متشابك السكك، يصل، في نهاية المطاف، إلى وجهته.
رحيل “مي سكاف” مؤمنة بثورة أبناء بلدها، يستلزم منهم الوفاء لروحها، و لروح كل شهداء ثورتهم، و هذا يتحقّق بالوحدة، و بالإيمان المطلق بعدالة قضيتهم، و بالولوج لدراسة أسباب تمكّن النظام وحلفائه من كسر شوكة ثورتهم، فإضافة إلى العامل الدولي، و التآمر غير المسبوق الذي تعرّضت له الثورة، مؤكّد أن هناك أسبابا داخلية محلية، مكّنت النظام و حلفاءه من الإجهاز على حلم أطفال درعا، و تحويل حلم السوريين إلى كابوس دموي، و هي أولا و آخرا مراجعات تحتاج الوضوح و الشفافية و المصارحة. سلام على روحك “مي”، و طبت حيةً و ميتة..
