جميلة البزيوي
كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025 عن واقع مقلق يطبع تدبير المقابر بالمغرب، حيث أظهر اختلالات بنيوية تعكس غياب رؤية واضحة لدى عدد كبير من الجماعات الترابية، سواء على مستوى التخطيط أو التجهيز أو الصيانة. التقرير حمّل هذه الجماعات مسؤولية مباشرة في ما آلت إليه أوضاع هذا المرفق العمومي الحساس، الذي يرتبط بكرامة الإنسان بعد الوفاة و بالصحة العامة و النظام العمراني. و أبرز المجلس أن عدد المقابر التي تستجيب للحد الأدنى من شروط التنظيم و التجهيز لا يتجاوز 109 مقابر فقط، أي أقل من نصف في المائة من مجموع المقابر على الصعيد الوطني، مع تمركز واضح لها في عدد محدود من الجهات. في المقابل، تعاني مدن كبرى من ضغط متزايد على المقابر المتوفرة، ما يدفع إلى ممارسات غير سليمة، من قبيل الدفن في الممرات أو إعادة استعمال القبور القديمة، أو توجيه السكان إلى الدفن في جماعات مجاورة، في وقت يتركز فيه أغلب الوعاء العقاري للمقابر بالمجال القروي.
و سجل التقرير، أن مئات المقابر استنفدت طاقتها الاستيعابية دون أن تواكب ذلك قرارات تنظيمية واضحة، سواء بإغلاقها أو بتوفير بدائل، كما أن عددا من المقابر يكتسي طابعا تاريخيا و يحتاج إلى معاملة خاصة تراعي قيمته التراثية. في الآن ذاته، تعاني البنية التحتية للمقابر من تدهور كبير بسبب ضعف الصيانة، حيث إن نسبة المرافق التي توجد في حالة جيدة تبقى ضعيفة جدا، سواء تعلق الأمر بالأسوار أو الأبواب أو المصليات أو المرافق الصحية أو مساكن الحراسة. و أوضح المجلس أن عددا مهما من المشاريع المبرمجة لإحداث أو توسيع المقابر لم يرَ النور، رغم إدراجها في وثائق التعمير، إذ لم تتجاوز نسب الإنجاز مستويات ضعيفة للغاية، مع تسجيل عدم صرف الاعتمادات المرصودة للصيانة في كثير من الحالات. كما كشف عن غياب شبه تام لتدخل الجماعات في التسيير اليومي للمقابر، سواء من حيث توفير الموارد البشرية أو تنظيم عمليات الدفن و الحراسة، حيث لا تشرف الجماعات بشكل مباشر إلا على نسبة محدودة جدا من مجموع المقابر، بينما يُترك تدبير الغالبية العظمى للجماعات السلالية أو الساكنة المحلية أو الجمعيات، غالبا دون إطار قانوني منظم.
و من بين الاختلالات التي أثارها التقرير أيضا عدم مسك سجلات دقيقة لعمليات الدفن، ما يجعل من الصعب على المواطنين تحديد أماكن قبور ذويهم أو معرفة عدد الجثامين المدفونة، إضافة إلى عدم توثيق عمليات نقل أو استخراج الجثث. كما سجل التقرير اعتماد أغلب الجماعات على شهادات إدارية للوفاة صادرة عن ممثلي السلطة المحلية دون القيام بمعاينة مباشرة، و هو ما يطرح، حسب المجلس، إشكالات حقيقية مرتبطة بالصحة العمومية و بسلامة مساطر الدفن. و في ضوء هذه المعطيات، دعا المجلس الأعلى للحسابات إلى ضرورة إدماج حاجيات مرفق المقابر ضمن التخطيط الترابي و العمراني، مع توفير رصيد عقاري كاف و مجهز بشكل يحترم المعايير التنظيمية، و ضمان تجانس القبور و احترام تسلسل الدفن. كما شدد على أهمية رقمنة سجلات الوفيات و اعتماد أنظمة معلوماتية موحدة لتتبع و تسيير هذا المرفق، إلى جانب العناية الدورية بالصيانة و النظافة، و تسريع إصدار القرارات التنظيمية و رصد الاعتمادات المالية الضرورية، بما يضمن كرامة الموتى و حقوق الأحياء في آن واحد.

