تراجع ديمقراطي و هيمنة حكومية.. معارضة قوية لمشروع قانون المجلس الوطني للصحافة

83

- Advertisement -

حمد الله البوعزاوي

هاجمت الفرق النيابية المعارضة بمجلس النواب المغربي، خلال جلسة تشريعية عقدت اليوم الثلاثاء، مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، و اعتبرته تراجعًا خطيرًا في المسار الديمقراطي، و انقلابًا على مكتسبات حرية الصحافة و التنظيم الذاتي للمهنة. و في مداخلة باسم الفريق الاشتراكي، عبر النائب عمر أعنان عن  استغرابه الشديد من الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع مشروع قانون بهذه الأهمية، إذ اختارت نهجًا غير مفهوم و غير مبرر، من خلال إحالة المشروع في الساعات الأخيرة من الدورة البرلمانية، و الإصرار على تمريره بسرعة قياسية، و أكد أن هذا يعكس نزعة مقلقة نحو تهميش الدور الرقابي و التشريعي للبرلمان.

وأضاف أعنان أن الحكومة اعتمدت “مقاربة انفرادية” تغيب عنها روح التشاور، و أن المشروع لم ينطلق من “المبادئ المتعلقة بالحرية، و الاستقلالية، و المهنية، و التعددية”، بل اتسم بمقاربات تقنية صرفة، محكومة بمنطق الضبط و الرقابة”. و في ما يتعلق بطريقة تشكيل المجلس، انتقد الفريق ما وصفه بـ”التمييز في طريقة التمثيل بين فئة الصحافيين المهنيين و فئة الناشرين”، موضحًا: “نص المشروع على انتخاب ممثلي الصحافيين المهنيين، بينما نص على انتداب ممثلي فئة الناشرين، و هو ما يشكل ضربا واضحا لمبدأ المساواة التمثيلية”. كما أنه لم يتضمن أية مقتضيات تضمن تمثيلية النساء الصحافيات، مؤكدا على أن تبني نمط الاقتراع الفردي الاسمي عوضًا عن نمط الاقتراع اللائحي، اختيار من شأنه أن يضعف شرعية التمثيل.

كما سجل غياب البعد الجهوي و تمثيلية النساء داخل المجلس، قائلاً: “غيب هذا المشروع العمل الجهوي و المحلي، من خلال تغييب حقوق المؤسسات الإعلامية الجهوية و المحلية”. و في ما يخص الإعلام الرقمي، شدد الفريق الاشتراكي على أنه “لا يمكن اليوم الحديث عن تنظيم الصحافة دون التطرق للإعلام الرقمي، لكن المشروع يعامله كمُلحق بالصحافة الورقية”. أما السلطات التأديبية التي خولها المشروع للمجلس، فقد اعتبرها “سلطات فضفاضة و واسعة جدا”، متهما الحكومة بتحويل المجلس إلى “آلية للرقابة السياسية على الصحافة و الصحافيين”. من جهتها، شددت المجموعة النيابية للعدالة و التنمية، في كلمة قدمتها النائبة البرلمانية ثورية عفيف، على أن المشروع يؤكد على وجود إرادة حقيقية لهذه الحكومة في الهيمنة و التحكم، مبرزة أنه مشروع يكرس الشرخ في الجسم الصحافي، و يعمق غلبة سياسة الضبط لقطاع الصحافة و النشر بدل تنميته.

و اعتبرت عفيف أن “مشروع القانون لم يخضع للتشاور، و أنجز بسرية، و لم يُوضع على بوابة الأمانة العامة للحكومة”، و أن “اعتماد معيار رقم المعاملات في انتداب الناشرين” يخدم مصالح فئة محددة، متسائلة: “أم هو الإمعان في ترسيخ سياسة الاحتكار التي بصمت مسار هذه الحكومة؟”. و أكدت المجموعة رفضها لـ”التمييز بين الصحافيين و الناشرين من حيث آلية التمثيل، كيف يعقل الانتخاب من جهة، و الانتداب من جهة أخرى؟”، و استغربت حذف “تمثيلية مختلف أنواع الصحافة و الإعلام، و التمثيلية النسائية”، بل و “التمثيلية المجتمعية”. و صرحت عفيف بأن المجموعة قدمت 56 تعديلاً “بغية تجويد المشروع”، لم يُقبل منها سوى ثلاثة، معتبرة ذلك دليلاً على “تغوّل الأغلبية العددية” و تراجع الديمقراطية، خاتمة مداخلتها باقتباس لمدير “الهاكا” السابق: “مشروع مجلس الصحافة لا يعنيني و أخجل من نفسي.. و هذا ليس هو مغربي”.

أما الفريق الحركي، فقد أكد رئيسه ادريس السنتيسي أن المشروع “يطرح تخوفات حقيقية من التوجه نحو تكريس منطق التعيين و تقليص صلاحيات الجسم الصحافي في اختيار ممثليه”، محذرًا من أن المشروع يوسع من منسوب الوصاية الحكومية على قطاع يفترض أنه ينظم ذاته بذاته. و سجل الفريق الحركي أن “المشروع أريد له أن يمرر بسرعة”، رغم “الجدال الذي رافقه””، في تغييب “للمقاربة التشاركية”، كما انتقد اعتماد “معيار رقم المعاملات المالية بدل نسبة المقروئية”، و هو ما سيكرس هيمنة المؤسسات الكبيرة على حساب المقاولات الصحفية الصغيرة و المتوسطة. و عبر السنتيسي عن تخوف فريقه “من التوجه نحو تكريس منطق التعيين و تقليص صلاحيات الجسم الصحفي في اختيار ممثليه داخل المجلس، بما يمس باستقلاليته و يجعله تحت تأثير السلطة التنفيذية، حيث نسجل تراجعا عن الاختيار الديمقراطي و البعد الجهوي في انتخاب أعضاء المجلس، بعد إلغاء النظام الانتخابي الموحد الذي كان يعكس مبدأ التمثيلية”.

و ختم السنتيسي مداخلته بالقول: “نحن مع الإصلاح، و مع هيئات مهنية قوية و فاعلة، لكننا نرفض كل مقاربة تعيد إنتاج نفس الاختلالات، أو تجهز على المكتسبات الديمقراطية”، مضيفا “نرفض أن يكون هذا الإصلاح ذريعة لمزيد من التحكم و التوجيه السياسي في قطاع يجب أن يبقى مستقلا و حرا”. و في مداخلة باسم فريق التقدم و الاشتراكية، و صفت النائبة نادية تهامي المشروع بـ”الفضيحة السياسية و الدستورية الكارثية”، معتبرة أن “الحكومة بصدد التأشير على تراجعات فاضحة، و تناقضات خطيرة مع الدستور”. و قالت: “إننا أمام نصٍّ، مُخجِلٍ لبلادنا، و يُعاكسُ منحى تطوُّرها… و هذا ما يُفَسِرُ أنَّ المشروع مرفوضٌ من معظم مكونات الحقل الإعلامي و الحقوقي و الديموقراطي.  و يكادُ يتبرأ منه الجميعُ و يُنكِرُ مسؤوليتَهُ عن إعداده الجميع، كما لو أنه “منتوجٌ سِرِّيُّ أو شَبَحٌ بلا أصلٍ و لا هُـوِيَّةٍ و لا نَسَب”: هل الوزارة؟ هل الحكومة؟ هل اللجنة المؤقتة؟ هل أوساطٌ و لوبيات مالية غير مرئية؟”.

كما اعتبرت أن “المشروع يقبر معنى مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة و الصحفيين”، و أنه فرط في تمثيلية الجمهور، و تنازل عن التعددية، و فتح الباب أمام منطق الغنيمة و الاحتكار، مشددة على أن الاختلالات التي يتضمنها كل واحدة منها لوحدها توجب إسقاط المشروع. و خلصت إلى أن “فريق التقدم و الاشتراكية يُعرب عن رفضه القوي لهذا المشروع الحكومي، بصيغته الحالية، منهجاً و شكلاً و مضموناً”، مبرزة أنه مشروع قانون بِتراجُعاتٍ كارثية، كل واحدٍ منها لوحده يُوجِبُ إسقاط المشروع.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ajleeonline.com