عبر و حكم…قصة قصيرة …الخير والمعروف

399

- Advertisement -

 

نادل

أم أيمن

كان الجو باردا مكفهرا، والسماء ملبدة بالغيوم، ولم يكن خيار للعجوز سوى ارتداء رداء صوفي يقيه من البرد القارس، رغم أنه كان ممزقا وثوبه لم يساعده على تجنب قسوة البرد الشديد، أخذ يمضي في طريقه وهو ينظر إلى السماء لعل الجو يتحسن وتظهر الشمس بعد غياب دام لمدة طويلة، وقف برهة يتأمل محلا لبيع المأكولات الجاهزة، ومعدته تشكو وتستغيث من جوع لم يذكر بعده اليوم الأخير الذي أكل فيه واستشعر فيه لذة الطعام.

تقدم خطوات ثقيلة وهو يتردد عن التقدم نحو باب المحل، وبعد تفكير طويل قام بدفع الباب ودخل للمحل قاصدا النادل.

ـ العجوز: السلام عليك يا بني، هل لي من مساعدة من فضلك؟ فأنا في أمس الحاجة إليك (وهو في كامل خجله وارتباكه).

ـ النادل: نعم كلنا في خدمتك ومساعدتك أيها العجوز.

ـ العجوز: بارك الله في أمثالك.

انتقل العجوز بعد كلام النادل إلى المائدة لتناول الطعام، دون أن يفكر في نوعية طعام محددة تشتهيها نفسه، فقد انهال على الأكل دون توقف وانقطاع، كأنه لم يدخل إلى جوفه لقمة طعام صغيرة منذ مدة خلت. وبعد إتمام الطعام اقترب النادل من العجوز وقدم له لائحة الأثمان التي يجب دفعها، نظر العجوز للنادل وقال مستغربا:

ـ ” لقد طرقت بابك على أساس أني رجل مسكين وهذا ما كان يبدو علي واضحا، وقصدت خدمتك، ولم تتردد في خدمتي وتطالبني الآن بدفع الحساب، ما هذا التناقض.

رد النادل باستنكار وغضب شديد:

ـ ” ماذا؟ ماذا تقول؟ أنحن نفتح هذا المحل للأعمال الاجتماعية و الخيرية، أنا أعمل هنا تحت أمر صاحب المحل، ولا أساهم في إسداء المعروف، وسأقولها مرة واحدة ولن أكررها، ادفع الحساب الآن وإلا ضربتك وتصرفت معك تصرفا لا يليق بسنك.

رد العجوز وهو يبتسم وكله هدوء.

ـ ” افعل ما تراه مناسبا يا ولدي، ولكن لا أملك قرشا واحدا.

انصب غضب النادل على العجوز ثم انصرف لينادي صاحب المحل. أخذ العجوز يفكر في الموقف المحرج الذي وضع نفسه فيه والذي جعل الجميع ينظر إليه ويتطلعون إليه بنظرة استياء.

وبعد دقائق معدودة تقدم صاحب المحل من العجوز ليستفسر عن الأمر، ولكنه توقف منبهرا أمام العجوز. وقال: من؟ الأستاذ الفاضل حكمت، كيف حالك؟

ـ رد العجوز: بخير يا بني، لكن كيف تعرفني؟ ومن تكون؟

ـ صاحب المحل: (وهو يضم العجوز إلى صدره)، ألا تعرفني أنا مراد بسيوني، أنا من درستني في مرحلة الثانوية وكنت آنداك مدمنا، و ساعدتني على تخطي المحنة و بفضلك الآن سيدي أصبحث صاحب محل معروف ولله الحمد، هل تذكرتني الآن؟

ـ العجوز: عذرا يا بني فذاكرتي ضعيفة فأنا قد بلغت عتيا ولم أعد شابا مثلك يا بني.

ـ صاحب المحل: لا تقل هذا يا أستاذ.

مسك يده وأخذه لسيارته بعد أن خصم أسبوعا من حساب النادل، وطلب منه أن يخصص يوما ليأكل فيه الأشخاص الفقراء المساكين بالمجان، وبعدها عانق العجوز صاحب المحل وعيناه تذرفان دموعا، ثم قال:” ما من إنسان عملا خيرا في الدنيا إلا وسيجده في الدنيا قبل الآخرة.”

ومضيا بعيدا لعل طريقهما طويل وحديثهما أطول…

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ajleeonline.com