جميلة البزيوي
باشرت مصالح الجمارك تحقيقات موسعة في عمليات استيراد توابل مشبوهة عبر عدد من المنافذ الحدودية، في مقدمتها ميناء طنجة المتوسط و ميناء الدار البيضاء، إضافة إلى معبر الكركرات، و ذلك في سياق تشديد المراقبة مع اقتراب حلول شهر رمضان، الذي يشهد عادة ارتفاعا ملحوظا في الطلب على المواد الغذائية، و على رأسها التوابل. و تأتي هذه التحركات بعد رصد تنامي نشاط شبكات منظمة متخصصة في تهريب التوابل و التلاعب بالوثائق التجارية و الفواتير، بهدف تمرير شحنات كبيرة من المنتجات الفاسدة أو المشكوك في سلامتها إلى داخل التراب الوطني. و قد كشفت التحقيقات الأولية أن هذه الشبكات تعتمد أساليب معقدة تشمل النقل بين المدن و التخزين المؤقت في مستودعات غير مصرح بها، قبل إعادة توزيع السلع عبر نقط بيع لا تثير الشبهات، في محاولة للالتفاف على حملات المراقبة و زجر الغش التي تتكثف خلال الفترات الاستهلاكية الحساسة.
و أظهرت المعطيات المتوفرة أن جزءا مهما من التوابل المعروضة في الأسواق الوطنية لا يدخل عبر القنوات الرسمية المعتمدة، بل يتم تهريبه عبر مسارات غير قانونية، ما يشكل استنزافا مباشرا للموارد الجمركية و تهديدا حقيقيا للصحة العامة. و قد تبين أن نسبة معتبرة من هذه المنتجات منتهية الصلاحية أو تعرضت للتلف بسبب ظروف التخزين غير الملائمة، قبل أن يتم تسويقها للمستهلكين بأسعار تقل أحيانا عن الأسعار المتداولة في السوق النظامية. و تركزت الأبحاث بشكل خاص على مسارات تهريب تمر عبر الأقاليم الجنوبية في اتجاه مناطق وسط و شمال المملكة، حيث يتم توجيه كميات كبيرة من التوابل نحو مدن كبرى تعرف كثافة سكانية عالية. و تلجأ شبكات التهريب في هذا الإطار إلى الاستعانة بتجار جملة وهميين، يقومون بتوزيع أطنان من التوابل المهربة على تجار تقسيط، خاصة في الأسواق الشعبية و الأحياء ذات القدرة الشرائية المحدودة، مستعملين فواتير و أذونات توزيع و تخزين مزورة باسم شركات لا تمارس أي نشاط فعلي.
و شملت التحقيقات أيضا تتبع مسار توزيع توابل فاسدة داخل الأسواق، بعد رصد تعرض كميات مهمة من السلع المهربة للتلف أثناء التخزين، سواء بسبب الرطوبة أو سوء التهوية أو طول مدة التخزين. و أسهمت معلومات واردة من مهنيين يشتغلون في الاستيراد القانوني للتوابل في كشف حجم هذه السوق الموازية، و تحديد هويات عدد من المتورطين فيها، ممن سبق أن وردت أسماؤهم في شكايات موجهة إلى الجهات الوصية حول المنافسة غير المشروعة التي يتعرض لها المستوردون الملتزمون بالقانون. كما أظهرت التحقيقات أن بعض المتورطين راكموا ثروات كبيرة مستفيدين من موجات التضخم المتتالية و ارتفاع أسعار التوابل في السوق، حيث تم توظيف هذه الظروف لتحقيق أرباح ضخمة خارج أي إطار قانوني أو مراقبة ضريبية. و للتمويه على أنشطتهم، لجأ بعضهم إلى إنشاء شركات صورية للنقل و التوزيع بين المدن، تُستعمل كواجهة لإضفاء طابع قانوني على عمليات تهريب و ترويج منتجات غير مطابقة للمعايير الصحية.

