بقلم زكرياء عزاب
رأيتُ ((قيسا بن الملوح))
يجالِسُ ((جميلاً بن معمرَ))
على بُعد حبين منِي،
و لا يبحثانِ في شعرِي
عنْ شعرِي…
كانا يبحثانِ عنْ ضحيتِي الثالثة،
فالرابعة…
هكذا قال الشاعر محمد حاجي يوما؛ فكم يلزمنا من حبر مهراق حتى نجالس شعراء الحب في زمن الأيقونة؛ كم يلزمان من ليلة هذيان حتى يغفر لنا هذا انشغالاتنا في دواليب روتين الحياة اليومية، وكم مرة سنعطش فيك يا صحراء الإبداع ونحن في واقع المشاعر الصقيعية…
ثمة أسئلة كثيرة تحيط بك وأنا تطالع سير العشاق، تتأمل بطولاتهم الأقرب إلى الجنون، تقف حائرا أمام خيالهم الجامح وهم يصفون لحظات الصبابة تلك، عن تلك النظرات البريئة الخجول؛ عن سحر اللقاء الأول؛ عن وجع الحنين وسهاد الانتظار؛ عن تلك الأنامل المتسللة ليلا لتخط شجن النفس؛ ربما القصائد تكفي ليشعر بك العالم ويحارب معك المستحيل للظفر بذلك الحبيب…
ألازال منا من يقرأ تلك القصائد متأملا؛ لعله يجد بين سطورها مرهما تستكين بيه نفسه المتيمة؛ أم ألفنا حد الفقدان هذه الأجهزة الكهربائية المتناثرة حولنا أكثر من أي شيء آخر؛ هل اعتادت مشاعرنا التسلل عبر أسلاك الحواسيب والذوبان بين شاشات الهواتف الذكية؛ أليس منا من اشتاق إلى لغة حارقة نابضة مباشرة ممزوجة بخوف البوح ولهفة الشوق، ألم نمل بعض من ضجيج الرسائل السريعة ورنينها الكلاسيكي الثقيل مقابل جرة قلم وورق وسهر حتى الشفق…
يا إلهي…لقد نسينا حقا أن في بعض الحب شفاء لكثير من الوجع والمرض؛ أولم يقل صاحب أولاد حارتنا «أما المصائب فلنصمد لها بالحب، وسنقهرها به، الحب أشفى علاج، وفي مطاوي المصائب تكمن السعادة كفصوص الماس في بطون المناجم الصخرية، فلنلقن أنفسنا حكمة الحب» تناسينا ذلك واستثمرنا أموالنا في عيادات الطب النفسي محاولين لملمة بعض من ذواتنا الممزقة بفعل فاعل، تناسينا أيضا أن للهمسة قوة ألف جرعة وترياق وخير من دواء ليس له مذاق…
وحين تصير الحياة جوفاء من الحب؛ يخشى علينا أن ننتحر ببطء في سراديب روتينها؛ يخشى علينا أن نفتقد تلك الفرحة الطفولية فيها؛ يخشى علينا أن ننسى تأمل ثلج الشتاء وملاحقة فراشات الربيع والتأثر لجفاف السنديان في الخريف…حقا سنفتقد كل ألوان البهجة في لوحة الحياة ..أولم يقل نعيمة “الحب خلاصة الحياة، فمتى أحب الناسُ تقلصت عنهم كل ظلال الشناعة فرأوا كل ما فيهم جميلاً، ومتى رأى الناس كل ما فيهم جميلًا عرفوا الحب، ومتى عرفوا الحب عرفوا الحياة”.
فلتعودوا لبوحكم…لاعترافاتكم الطفولية.. لرسائلكم الشجية…ولهمساتكم المسائية..افعلوا كل ذلك فقط من أجل الحب…
