بسبب إسقاط الطائرة المسيرة.. مالي تقاضي الجزائر أمام “محكمة العدل الدولية” و تتهمها بـ”التواطؤ “مع الإرهاب
جميلة البزيوي
أودعت مالي شكوى ضد الجزائر لدى محكمة العدل الدولية، متهمة إياها بالعدوان على سيادتها الوطنية إثر حادثة إسقاط طائرة مسيرة عسكرية ليلة 31 مارس إلى 1 أبريل 2025 على الحدود المشتركة بين البلدين. و قالت وزارة الإدارة الإقليمية المالية في بيان رسمي، إن الطائرة كانت في “مهمة استطلاع عادية” فوق الأراضي المالية، و إن إسقاطها من قبل الجيش الجزائري يرقى إلى “عمل عدائي و انتهاك صارخ لمبدأ عدم اللجوء إلى القوة”. و أضاف البيان أن الحكومة المالية طلبت من الجزائر مرارًا تقديم الأدلة التي تزعم من خلالها أن الطائرة اخترقت مجالها الجوي، لكنها لم تتلق أي رد، معتبرة أن الهدف من العملية كان “عرقلة جهود القوات المسلحة المالية في محاربة الجماعات الإرهابية”، و مؤكدة أن الحادث يعكس “سلسلة من الأعمال العدائية” التي سبق و أن حذرت منها باماكو. و على عكس الرواية المالية، كانت وزارة الدفاع الوطني الجزائرية، قد أكدت مباشرة بعد الحادثة أن قوات الدفاع الجوي عن الإقليم بالناحية العسكرية السادسة تمكنت ليلة أول أبريل من رصد طائرة استطلاع بدون طيار مسلحة من طراز “أكينجي” تركية الصنع، اخترقت المجال الجوي الجزائري على مستوى بين زاوتين بعمق يناهز كيلومترين، قبل أن تقوم بمناورة وعودة في مسار هجومي.
و أضاف البيان أن وحدات الرادار رصدت الطائرة و هي تخترق الحدود في أكثر من مناسبة خلال الأشهر الماضية، ما استدعى إصدار أمر مباشر بإسقاطها حفاظًا على السيادة الوطنية. و أكدت الوزارة أن العملية تعكس “اليقظة العالية و الاستعداد الدائم” للجيش الوطني الشعبي في التصدي لأي تهديد يمس الحدود البرية و الجوية و البحرية للبلاد. و أرفقت الوزارة بيانها بالتشديد على أن جميع البيانات التقنية و صور الرادار محفوظة لديها، و تثبت بشكل لا يقبل الشك الانتهاك الجوي المالي، مشيرة إلى أن حوادث مماثلة سُجلت بتاريخي 27 غشت و 29 ديسمبر 2024. و سرعان ما أخذت هذه الحادثة أبعادًا سياسية أوسع، بإعلان دول مالي و النيجر و بوركينا فاسو المتحالفة فيما بينها، استدعاء سفرائها من الجزائر التي ردّت مباشرة بالمثال. و أصدرت وزارة الخارجية الجزائرية بيانًا شديد اللهجة قالت فيه إن “الادعاءات الباطلة” الواردة في بيان مالي تمثل “محاولة بائسة لصرف الأنظار عن الفشل الذريع للطغمة الانقلابية في باماكو”، مؤكدة أن الانقلابيين جعلوا من الجزائر “كبش فداء لنكساتهم” بدل تحمل مسؤولية الانهيار الأمني و السياسي و الاقتصادي الذي تشهده البلاد. و شدد البيان على أن الجزائر “ترفض بقوة هذه السلوكيات المغرضة”، مضيفًا أن اتهامها بدعم الإرهاب “لا يستحق حتى الرد عليه” نظرًا لدورها المعروف في محاربة الإرهاب إقليميًا و دوليًا.
و تعرف العلاقات الجزائرية المالية حالة توتر بسبب خيارات القيادة العسكرية في باماكو عقب الانقلاب في اعتماد الحل العسكري في حل معضلة الأزواد، و هو إقليم مكون من عرب و طوراق شمال مالي ظل يطالب بتكريس خصوصياته الثقافية و العرقية منذ عدة عقود. كما شهدت العلاقات مع النيجر بعض التوتر في أعقاب الانقلاب على الرئيس محمد بازوم و محاولات الجزائر لدفع القيادة الجديدة نحو مصالحة وطنية تجنبها التدخل العسكري الأجنبي. لكن العلاقات مؤخرا عرفت بعض التحسن، بعد اعتماد الجزائر عدة مشاريع إستراتيجية في قطاع الطاقة لصالح نيامي. و كان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، قد وصف العلاقات مع مالي و النيجر عدة مرات بأنها “أخوية”، مؤكدًا أن بلاده لم تحاول فرض أي شيء على جيرانها، و مشيرًا إلى وجود “أطراف ثالثة” تعمل على بث الأخبار الكاذبة لزرع القطيعة بين الجزائر و عمقها الإفريقي. و اللافت أن لجوء مالي لتدويل هذا الملف عبر محكمة العدل الدولية، يتزامن مع تنظيم الجزائر لمعرض التجارة البينية الإفريقية بحضور زعماء و مسؤولي عدة دول إفريقية، بينهم قادة من دول الساحل. و رأى بعض المتابعين في الجزائر، في اختيار باماكو للتوقيت، محاولة للتشويش على هذا الحدث الاقتصادي الأضخم في إفريقيا، و الذي يسعى لتفعيل اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية و عقد صفقات بينية بين أبناء القارة تتجاوز 44 مليار دولار، وفق المنظمين.

