حمد الله البوعزاوي
قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية عدد من المقتضيات الواردة في مشروع قانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية، إثر إحالته من رئيس مجلس النواب بتاريخ 9 يوليوز 2025، للبث في مدى مطابقتها لأحكام الدستور. و أصدر المجلس قراره رقم 255/25 بتاريخ 4 غشت 2025، ونشر يوم الأربعاء، والذي نص على إسقاط مواد وأجزاء من مواد اعتبرت مخالفة. المحكمة لم تكتفِ بالإشارة إلى المخالفات الشكلية في المواد التي تم إلغاؤها، بل سلطت الضوء على جوانب تعتبرها تهدد الحقوق والحريات الأساسية، وتقوض مبدأ فصل السلطات، وهو مبدأ يضمنه الدستور المغربي لعام 2011.
من بين المواد التي تم إسقاطها، كانت المادة 17 التي تمنح النيابة العامة صلاحية الطعن في المقررات القضائية دون ضوابط واضحة، وهو ما اعتبرته المحكمة مساسًا بالأمن القضائي واستقرار الأحكام. كما تم إلغاء المادة 84 التي كانت تسمح بالتسليم القضائي بناء على الظن أو التصريح، وهو ما يخالف مبدأ الشرعية و يستدعي وجود أدلة واضحة. لغت المحكمة أيضًا المادتين 408 و410، اللتين كانتا تمنحان وزير العدل سلطات كبيرة تؤثر في سير عمل القضاء، وهو ما يُعد خرقًا لمبدأ استقلالية القضاء، أما المادة 90 التي تتعلق بعقد الجلسات عن بُعد، فقد تم إلغاءها لعدم توفيرها الضمانات الكافية لحقوق الدفاع، مما يهدد حق المحاكمة العادلة.
من جهة أخرى، تم إسقاط المادتين 624 و628 اللتين تمنحان وزارة العدل سلطات كبيرة في تسيير النظام المعلوماتي القضائي، وهو ما يُعد انتهاكًا للحدود الفاصلة بين اختصاصات السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. و أوضحت المحكمة في قرارها أنه يجب تعديل أو حذف جميع المواد التي لا تتماشى مع الدستور قبل المضي قدمًا في اعتماد مشروع القانون. وقد أكدت المحكمة أنها لم تنظر في المواد التي لم تثر ملاحظات دستورية بشأنها، واعتبرت أن هذه المسائل خارج نطاق رقابتها في هذا القرار. قرار المحكمة يعد سابقة مهمة في تاريخ الرقابة الدستورية بالمغرب، ويؤكد مرة أخرى دور المحكمة في ضمان احترام المبادئ الدستورية، خاصة فيما يتعلق باستقلالية القضاء وفصل السلطات. لكن هذا الحكم لا يعني نهاية مسار مشروع قانون المسطرة المدنية، بل يفرض على الحكومة، ممثلة في وزارة العدل، إعادة صياغة المواد التي تم إسقاطها بحيث تتماشى مع مبادئ الدستور.

