جميلة البزيوي
توفي ظهر اليوم الثلاثاء، جان ماري لوبان، السياسي الفرنسي اليميني ومؤسس حزب “الجبهة الوطنية” المنتمي إلى أقصى اليمين في فرنسا، عن عمر ناهز الـ 96 عاما. و حسبما نقلت فرانس برس ، أن عائلة جان ماري لوبان، أكدت وفاته في منطقة جارشيه بفرنسا، بعد أن تم إيداعه في منشأة رعاية قبل عدة أسابيع. و اهتزت الأوساط السياسية الفرنسية حينما وصل لوبان صاحب الكاريزما والخطاب الشعبوي إلى جولة إعادة الانتخابات الرئاسية أمام جاك شيراك في 2002. رحيل جان ماري لوبان، يكون اليمين المتطرف الفرنسي قد فقد أحد الوجوه التاريخية لمعسكره السياسي.
و فرض لوبان اسمه وحزبه أيضا في الساحة السياسية الفرنسية لأربعة عقود، عرف فيها بخطابه الشعبوي، وقام خلالها بإحياء أفكار اليمين المتطرف التي واراها الغبار بعد سقوط الماريشال بيتان في 1944. و انطلاقا من 1970، وظف لوبان الماضي الاستعماري الفرنسي لبناء أفكاره القومية، والتي رفعها مع مرور الوقت إلى أعلى المستويات. و تحت ألوان “الجبهة الوطنية”، خاض حامل شعار “فرنسا للفرنسيين” الانتخابات الرئاسية في المحطات التالية: 1974، 1988، 1995، 2002، ثم 2007، وكانت مشاركته ما قبل الأخيرة أكبر مفاجأة حققها اليمين المتطرف حينها بوصوله إلى الدور الثاني جنبا إلى جنب مع الرئيس الراحل جاك شيراك.
و هذه المحطة اعتبرت انطلاقة حقيقية لليمين المتطرف نحو التواجد بقوة في المؤسسات المنتخبة. لكن زعيم “الجبهة الوطنية” غادر مركز قيادة الحزب و تسلمت ابنته مارين لوبان المشعل خلفا له عام 2011، كان قد تحول إلى أحد أكبر الحركات السياسية في فرنسا بناء على التصويت الشعبي. و تغير اسم الحزب إلى التجمع الوطني حيث ترشحت مارين للرئاسة ثلاث مرات منذ ذلك الحين كما حولت الحزب إلى قوة سياسة رئيسية في فرنسا. ولد لوبان في 20 يوليو 1928 بـ”لا ترينيت سور مير” في منطقة بريتاني الفرنسية. نشأ الزعيم الراحل لليمين المتطرف في أسرة كان ابنها الوحيد. كان أبوه يمتهن الصيد، لكن بعد وفاته اضطرت والدته إلى العمل في الخياطة لتأمين الحاجيات الأساسية للأسرة.
و منذ نعومة أظافره، لم تكن طريقه مفروشة بالورود، واجه الكثير من امتحانات الحياة، كان أولها فقدان والده وهو في عمر 14 عاما نتيجة انفجار لغم تم جره بشبكة صيد في عرض البحر. و في نوفمبر 1944، طلب و هو تلميذ في الـ16 من عمره يحظى بمنحة دراسية، بعزم التجنيد في القوات الفرنسية الداخلية. لكن العمر وقف حاجزا أمامه. “من الآن فصاعدا، أعطي الأمر للتأكد من أن أعمار المتطوعين الجدد 18 عاما فما فوق. فأنت تحت رعاية الدولة، فكر في أمك”، قال له حينها الكولونيل هنري دو لا فيسيير، الرئيس العسكري للقوات الفرنسية الداخلية في منطقة “لوار إي شير”.
و أمام هذا الرفض، لم يكن أمام هذا اليافع سوى مواصلة دراسته في إعدادية يديرها رجال دين، هؤلاء، حسب تصريحاته، منحوه نظام الفكر و طعم الخطابة، لكن مسار هذا التلميذ، العنيد و المتمرد، كان مليئا بالاضطرابات، و تعرض للطرد في مناسبتين من مؤسستين تعليميتين في 1946 بسبب عدم الانضباط. و على مدرجات كلية الحقوق في باريس ثم العلوم السياسية، لم يحد لوبان عن تمرده.
لتمويل دراسته الجامعية، كان مجبرا على أن يعمل في مهن شاقة، و بنفس الوقت دخل عالم السياسة من باب جمعية طلاب القانون في 1949، و كان أيضا ضمن مسيري نقابة الطلاب المعروفة “يونيف”. و هنا، شحذ أدواته في فن الخطابة، ومواهبه في إلقاء الخطب بدأت تثير انتباه الجميع.
بعد عدة انتقادات وجهت إليه بسبب جملة من التجاوزات، دُفع به في 1952 خارج رئاسة جمعية الطلاب، واحتفظ على مضض بصفة الرئيس الفخري للجمعية. بعد حصوله على دبلوم جامعي في القانون، بدأ يتردد في العمل كمحام أو الانخراط في القوات الفرنسية. وفي 1954، التحق بأول فيلق أجنبي للمظليين في حرب الهند الصينية، وعند عودته، أخذه بيير بوجاد في 1956 إلى “اتحاد وأخوة فرنسية” بعد أن أعجب بأفكاره القومية وحيويته، وانتخب بعمر 27 عاما نائبا عن باريس في الانتخابات التشريعية.
بفضل علاقة الصداقة التي كانت تربطه مع وريث شركة لصناعة الإسمنت هوبرت لامبرت، ابتسمت الثروة بوجه لوبان. في 1976 توفي لامبرت عن 42 عاما من العمر بسبب تليف كبدي دون أن يخلف أبناء. و أوصى لامبرت بتوريث ممتلكاته المقدرة قيمتها بـ30 مليون فرنك فرنسي آنذاك للوبان، إلا أن ابن عم الراحل، اتهمه بأنه أجبر صاحب الإرث على التوقيع على الوصية، وواجهه قضائيا ليخوض الاثنان معركة طويلة إلى أن وضع حدا لها بطريقة حبية. وصار لوبان الذي عرف “البرد، الجوع، والفقر” خلال طفولته، يعيش في أفخم المنازل بسان-كلو قرب باريس كأحد كبار الأغنياء.
هذه الثروة التي حصل عليها من إرث صديقه ساعدته على تمويل حملاته الانتخابية لاسيما السباق الرئاسي لعام 1981 في غياب أي دعم مالي من الدولة. وعلى الرغم من أنه لم يحصل على 500 توقيع من المنتخبين تمكنه من الترشح إلا أن شعبية حزبه اتسعت بشكل كبير في سنوات الثمانينيات جراء فتح وسائل الإعلام الأبواب له. وجاء ذلك عكس توقعات الرئيس الاشتراكي وقتها فرانسوا ميتران. توالت النجاحات السياسية لـ”الجبهة الوطنية” في سنوات الثمانينيات، تمكن لوبان من حجز مقعد له في البرلمان الأوروبي، بقي فيه من يونيو 1984 حتى 2014. وانتخب أيضا مستشارا جهويا في المجلس الجهوي لمنطقة باريس وضواحيها في 1986.
وفي خضم طلاقه من زوجته، اقترح مؤسس “الجبهة الوطنية” على زوجته ساخرا منها أن تعمل في الأشغال المنزلية” لكسب قوتها. وكرد عليه، ظهرت زوجته بيريت لالان على غلاف مجلة “البلايبوي” بزي خادمة في وضعية إيحائية. وهكذا تبخرت صورة لوبان الزوج والأب الصالح الذي عمل جاهدا على رسمها عنه لدى وسائل الإعلام. و إذا كان خروج بيريت الإعلامي الانتقامي قد جلب لها مبلغ 400 ألف فرنك فرنسي آنذاك، فقد فقدت لالان أسرتها التي أدارت ظهرها لها. وأعلن طلاقها من لوبان في 18 مارس 1987.

