جميلة البزيوي
لا حديث بالمغرب و خارجه، منذ أمس الجمعة ، إلا عن اعتقال سعيد الناصري، رئيس الوداد الرياضي، و عبد النبي بعيوي، رئيس مجلس جهة الشرق و 23 متهما متابعين بتهم ثقيلة تتعلق بعلاقتهم بنشاط تاجر المخدرات الشهير بـ”إسكوبار الصحراء”، فما هي علاقته بهم؟ و كيف ورطهم بعد سنوات من اعتقاله؟ فحسب تقريرا نشرته مجلة “جون أفريك”، اعتقال “إسكوبار الصحراء”، كشفت ما لم يتوقعه المغاربة من رجال كانوا منتخبين برلمانيين، كان من المفروض عليهم أن يكونوا قدوة للمغاربة، لكن رائحة الفساد كانت تفوح منهم بسبب الثراء الفاحش الذي باتوا عليه. أشخاص سطوا على ممتلكات بارون مخدرات يقبع في سجن الجديدة، بعدما تم توقيفه في مطار الدار البيضاء سنة 2019. فما قصة هذا الرجل الذي أسقط رؤوسا كبيرة حتى و إن كان خلف القضبان؟ كيف كانت بداياته و كيف تم السطو على ممتلكاته؟.
بدايات الحاج ابراهيم
كل شيء بدأ في عام 1976، في كيدال، عاصمة بلاد الطوارق، في مالي، حيث تسود الرياح والصحراء. في هذه المنطقة ولد الحاج أحمد بن إبراهيم، من أم مغربية الأصل من مدينة وجدة وأب مالي الجنسية، ومن هنا جاء لقبه بالمالي، كان يعيش حياة بسيطة تقليدية يرعى الإبل مع والده، و ذات يوم و هو يرعى الغنم صادف رجلا فرنسيا يهودي الديانة، تائها في الصحراء وقدما له المساعدة قبل أن يقدم له الفرنسي سيارته كنوع من الشكر على المساعدة. فقام ” المالي ” ببيع السيارة كما قال له الفرنسي وعوض ان يحتفظ بهذه الأموال أرسلها لصاحب السيارة، وأدرك الفرنسي آنذاك أنه أمام رجل ثقة ليقرر إشراك الـ”مالي” في استيراد وتصدير السيارات بين أوروبا وإفريقيا وهي العملية التي أكسبته خبرة كبيرة عن دوائر العبور والطرق والجمارك و ما إلى ذلك. بعد ذلك انتقل المالي إلى تجارة الذهب، ونسج شبكته تدريجياً في منطقة الساحل والصحراء، التي تُعتبر مركزًا للجريمة المنظمة، وهو ما مكنه من معرفة المنطقة بشكل جيد بما في ذلك قبائلها ولهجات المجتمعات في أزواد، ورسم الخرائط في منطقة الساحل والصحراء، وهي مهارات نادرة و ثمينة.
إمبراطور المخدرات بالقارة السمراء
لم يقف طموح ” المالي” عند ” الحلال” بل انتقل إلى تجارة الحرام”، بل انتقل إلى تجارة المخدرات، وشرع في استعمال الطائرات الصغيرة لنقل الكوكايين، من أمريكا اللاتينية إلى الغرب الإفريقي، ثم من ساحل العاج والسينغال وغينيا بيساو، ليتمكن بعدها من تحويل كميات كبيرة من المخدرات، برا عبر مالي والنيجر والجزائر وليبيا ومصر، وبحرا عبر السواحل المغربية ثم أوروبا، ويصبح بذلك من أكبر تجار الممنوعات في القارة السمراء. كما أن تعميق معرفته الواسعة بالصحراء جعلته محط أنظار الشخصيات البارزة في المنطقة، ومن بين هؤلاء كان سيف الإسلام القذافي، الابن الثاني للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، إلى جانب شخصيات أخرى ذات نفوذ في القارة، سرعان ما تحولت حياة هذا الرجل و أصبح واحدا من أكبر تجار المخدرات في القارة الإفريقية، أكثر من ذلك فإن “الحاج إبراهيم” أصبح متحكما في سلسلة الإنتاج والتجهيز والتوزيع، بعد نسجه لعلاقات مع جنرالات متورطين في السياسة والمخدرات بدولة بوليفيا، حتى إنه وقع في حب ابنة ضابط رفيع المستوى الذي وافق على تزويجها له في إطار تحالف بينهما.
ومن علامات الترف، حسب مجلة جون أفريك، أن الرجل دخل عالم النساء، بل إن الصحيفة ذهبت بعيدا حين ادعت بأن يكون له في كل دولة ابن، وأضافت أنه كان ينوي إغواء كاثرين دونوف وأنجلينا جولي ومغنية مغربية لم تذكرها الصحيفة بالاسم . وقام بتوسيع ممتلكاته في غينيا والبرازيل وروسيا، بالإضافة إلى اقتنائه جزيرة خاصة وعقارات في عدة دول، مما أظهر توسعه الملحوظ. كما قام بشراء عقارات في في المغرب، و فندق فاخر في إسبانيا.
في المغرب
وحسب ما كشفته صحيفة “جون أفريك”، أن الحاج أحمد بن إبراهيم، ربط علاقات و معاملات مع منتخب في الشرق، ومسؤولين آخرين في الشمال وزاكورة، من أجل توزيع عشرات الأطنان من القنب الهندي في عمليات تتم ما بين ثلاث وأربع مرات سنويا. فتح شهية ” الطماعين” ، و أصبحوا يترددون عليه من أجل شراء وده و صداقته، ولحسن نيته ، فتح لهم دفتر أسراره،وجعلهم من المقربين له، لكنهم خدعوا به وقاموا بتدبير مكيدة ضده، بعدما زج به بسجن موريتانيا سنة 2015 . وفق ما ذكرته الصحيفة الفرنسية، وحبسه في العاصمة نواكشوط، بعد عملية مطاردة على الحدود مع المغرب، حيث كان على متن سيارة تحمل 3 أطنان من المخدرات ومبالغ مالية كبيرة، لكنه سرعان ما خرج من السجن بدعوى “عدم اختصاص” المحكمة المحال عليها ملفه.
غدر الشركاء
ولأن الطمع طاعون، أسالت ممتلكات “المالي” بالمغرب، لعاب شركائه المغاربة حين اعتقاله، فاستولوا عليها بطرق ملتوية، شملت تزوير الوثائق والتلاعب بالمستندات، ظنا منهم أن الفترة الصعبة التي مر منها حليفهم بن إبراهيم بموريتانيا، تنذر بقرب تهاوي عرش ” المالي”، لكن هيهات ثم هيهات لما توعدهم به. و بعد خروجه من سجن نواكشوط، تضيف “جون أفريك”، تفاجأ المالي الذي قارب عمره أنداك الخمسين سنة، بغدر شركاءه المغاربة، لكنه غض الطرف عنهم وسعى لاستعادة نفوذه في المنطقة، ليتلقى صفعة أخرى من قبلهم، بالإضافة إلى سطوهم على ممتلكاته، أوقعوه في مكيدة سنة 2019 ، جعلته يسقط في قبضة الأمن المغربي، إذ حجزت 40 طنا من المخدرات في محطة استراحة في الجديدة، تم شحنها على متن مركبات تابعة لشركة باعها إلى منتخب الشرق، في إشارة للبعيوي الموقوف، لكن هذا الأخير لم يغير البطائق الرمادية للشاحنات وتركها على اسم المالي، ما قاد لاعتقاله فور وصوله للمغرب.
الوجه الآخر لإسكوبار الصحراء
لم يسكت ابن الصحراء على الطعنة الغادرة التي تلقاها من طرف شركائه المغاربة، فقرر نزع جلباب النزاهة عن سياسيين من العيار الثقيل في المغرب وكشف وجههم الحقيقي أمام العالم، مجمعا بعناية كافة خيوط القضايا التي تربطه بهم. صرخة ” المالي ” من داخل زنزانته بسجن الجديدة ، كان يؤكد من خلالها براءته ويندد بمؤامرة مدبرة من طرف بعيوي والناصري. كان دئما يؤكد أنه نصب له فخا ليأخذوا مكانه في قمة هرم تهريب المخدرات، كما أنهم نصبوا عليه وسرقوا ممتلكاته، مقدما ثماني شكايات ضدهم ، مما جعل الفرقة الوطنية تفتح بحث في الموضوع، وبدأت ساعتها تتساقط أوراق الشركاء واحدا تلو الآخر.
ومما ساعد سقوط الشركاء شهادات جمعتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية منذ الصيف الماضي،من بين أهم الشهود: نبيل، اليد اليمنى السابق للبارون “المالي” المعتقل معه في موريتانيا، الذي أعاد بناء مسار هذه “المكائد” ضد رئيسه السابق شيئا فشيئا واعترف بتورط جميع الأطراف الفاعلة، بمن فيهم بعيوي والناصري، و أخطر شهادة، هي التي تقدمت بها زوجة بعيوي السابقة من تلقاء نفسها للإدلاء بشهادتها ضد زوجها السابق. وقالت إن بعيوي زور صكوك توثيق من أجل سرقة عقارات المالي، بما في ذلك الفيلا الفخمة في الدار البيضاء – الآن باسم الناصري – والعديد من الشقق في السعيدية، التي يملكها الآن الملياردير اليزيدي.

