بيان مسرح البدوي
و نحن نعيش فرحة غامرة بإنجاز أسود الأطلس في مونديال قطر 2022، و نحن على أبواب افتتاح المسرح الكبير بالدار البيضاء، يتمنى مسرح البدوي، أن يتم إطلاق اسم عبد القادر البدوي، أسد الخشبة و عميد المسرح المغربي، على المسرح الكبير للدار البيضاء، حتى يكون كبيرا بترسيخ ثقافة الاعتراف، و يحقق المصالحة الوطنية مع رموز الحركة المسرحية و النضالية المغربية و أن يكون امتدادا للمسرح البلدي ببعده التاريخي و الثقافي، قبل أن يتم الإجهاز عليه سنة 1984، بعدما شهد نجاحا باهرا لمختلف عروض مسرح البدوي، الذي كان يزاوج في عروضه بين الطلبة و العموم، و حتى الأطفال. و يأمل مسرح البدوي أيضا أن يتضمن هذا المسرح الكبير فضاء يعرض ذاكرة هذا الرمز المسرحي، و يوثق لجزء كبير من تاريخ المسرح المغربي عبر نافذة مسرح البدوي، مثلما هو الحال في مختلف مسارح العالم، التي تحتضن أعلامها المسرحية و أرشيفهم الفني و تاريخهم، لضمان تواصل الأجيال الصاعدة مع رموزها، و حتى يتعرف الآخر على تاريخنا الثقافي الوطني. كما يثمن مشروع الورش الكبير، الذي فتحه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، من أجل صيانة الثراث المغربي اللامادي.
إن هذا المسرح الكبير جاء استجابة لنضالات جيل من المسرحيين الوطنيين منذ فجر الاستقلال، و الذين تزعمهم بكل شجاعة و جرأة عميد المسرح المغربي الأستاذ عبد القادر البدوي، و مؤسس مسرح البدوي سنة 1952، رحمة الله عليه، و الذي ساهم مسرحه – بتأطير من زعماء الحركة الوطنية – في تشكيل وجدان و وعي الجماهير، قبل استقلال المغرب و بعده، من خلال نضاله من أجل تحرير المشروع الثقافي الوطني من كل أشكال التبعية، و التأسيس لمجتمع ديمقراطي يعلي من قيم المواطنة و حقوق الإنسان، و الترسيخ لمقومات الهوية المغربية، و على رأسها اللغة العربية التي استهدفت بشكل كبير من طرف اللوبيات الاستعمارية من أجل اقتلاع الأجيال الصاعدة من جذورها الوطنية و حضارتها الضاربة في عمق التاريخ. و قد دفع عبد القادر البدوي فاتورة مواقفه و نضاله حيا و ميتا من خلال التضييق و الإقصاء و تهميش منتوجه الفكري و الثقافي و الفني، لدرجة أن تم منع معظم أعماله الفنية من العرض على القنوات التلفزية العمومية، و إقبار أرشيفه الفني، رغم أن التلفزيون المغربي انطلق في منتصف الستينات بأعماله المسرحية و الدرامية المباشرة، التي ساهمت في الرقي الاجتماعي للأسرة المغربية. لقد أنشأ الراحل عبد القادر البدوي أول معهد للتكوين في الفنون الدرامية بالمجان سنة 1958، و تخرج منه معظم الفنانين المغاربة من جيل الرواد، و مازال مستمرا في التكوين الأكاديمي لشباب الفنانين، كما أسس المسرح العمالي و مسرح الطالب و مسرح الطفل و المسرح الجامعي، و ألقى محاضرات تطوعية بمختلف دور الشباب، و دعم مسرح الهواة و ساهم بقوة في مشروع ثقافة القرب، الذي تبنته وزارة الثقافة بعد ذلك، و جابت جولاته المسرحية قرى و مدن المملكة و دول المغرب العربي، كما أطل بإبداعاته على عمال المناجم و القوات المسلحة الملكية في صحرائنا المغربية مطلع السبعينات، كما يعد أول مسرحي سعى إلى إدماج نزلاء المؤسسات السجنية عن طريق الثقافة و المسرح.
و شملت نضالاته أيضا المجال النقابي، حيث ترأس أول نقابة فنية احترافية بالمغرب سنة 1978، لكنها لم تستمر طويلا لأسباب تحدث عنها في كتابه سيرة نضال. و استمر في كفاحه بكتاباته في مختلف الصحف الوطنية و ندواته و محاضراته إلى أن حظي باستقبال الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، و عينه على رأس لجنة ملكية كلفت بإعداد تصور عام للنهوض بالمسرح المغربي. إن مسرح البدوي ظل صامدا و مقاوما لكل أشكال تحجيمه في الساحة الفنية، لحساب اللوبيات الفرنكفونية، التي استحوذت على المشهد الثقافي المغربي، و التي حملها عبد القادر البدوي مسؤولية تعطيل المشروع الثقافي الوطني، و مسؤولية تعطيل هيكلة قطاع الفن الاحترافي بالمغرب. و حولته و مواقفه و آراؤه إلى مدرسة فنية كبيرة، و صار جزءا من الذاكرة الثقافية الوطنية و يحتل الآن، و بكل فخر، حيزا مهما ضمن الموروث الثقافي اللامادي المغربي، و هذا ما مصدرا مهما للبحث العلمي الأكاديمي. و ختاما يأمل مسرح البدوي، بصفته أعرق مسرح في المغرب و في الدار البيضاء، أن يحظى بشرف افتتاح المسرح الكبير بأحد عروضه المسرحية، خاصة و أنه يحتفل هذه السنة بالذكرى السبعين لتأسيسه، كما يدعو المشرفين على مشروع المسرح الكبير إلى التواصل مع أطره، كي يكونوا جزءا من هذا المشروع الثقافي، و حتى يكونوا مشاركين في هذا الحدث الثقافي الوطني. مسرح البدوي … منذ سنة 1952 و المسيرة مستمرة..

