كانت القضايا النسوية و أوضاع المرأة العربية قاسما مشتركا كما سبق القول في العديد من المسرحيات خلال عروض مهرجان المسرح العربي من خلال زوايا و مشاهد متنوعة.
نوافذ الانفلات
من أسرار نجاح مهرجان المسرح العربي أن عروضه سلكت في تعاملها مع مضامينها القيّمة مسارات متشعبة غير نمطية، آخذة في اعتبارها التحليق بأجنحة الجنون والفانتازيا والعبث والانفلات وغزو قلاع الواقع بأسلحة الخيال وتوليد الكوميديا السوداء في قلب المأساة.
و هذه المدارات كلها عكست إيمان المسرح العربي المعاصر بالحرية كقيمة مطلقة، وجاءت العروض متجذرة في لحم الأرض، ومنفتحة في الآن ذاته على التاريخ والأساطير، واتسمت بالحساسية والرهافة في المعالجة، كما انشغلت بالتفاصيل الحياتية الدقيقة، لتصل بالجرح المحلي الخاص إلى الهم الإنساني العام.
و دارت مسرحيات بأكملها حول الجنون كثيمة محورية، كما في “المجنون” (الإمارات) و”جنونستان ” (الأردن) و”تقاسيم على الحياة ” (العراق)، وليس المراد بالجنون الخلل النفسي أو العضوي، وإنما تبيان سمات الإنسان المختلف عن القطيع، وتفجير طاقات الثورية والتمرد، وشحذ الخيال المتقد، وتحطيم القيود المحيطة ودعم الرغبة في التحرر التام.
و انفتحت العروض على التاريخ والفانتازيا والأساطير في تقصّيها دقائق الأمور في الواقع المعيش، لإثبات أن الظروف السيئة تتشابه وتتكرر، ومن ثم فإن آليات مقاومتها ودحضها ونفيها خارج الزمن أيضا واحدة، وهي المتعلقة بالحرية والنضال والتمسك بالقيم الإنسانية التي لا تقبل التبديل.
و في “ليلك ضحى” (الإمارات)، امتزجت الحقيقة بالخيال، واختلط الواقع بالأسطورة، وذلك في حكاية الشاب الإرهابي التي تداخلت مع دوره كممثل في مسرحية عن عنترة بن شداد، وفي “تقاسيم على الحياة” (العراق) بلغ الخيال مداه الأقصى في إذابة الحاجز بين العقل والجنون، و التقنّع والعُري، والمنطق والشطحات والممكن والمستحيل.
و من خلال اللا معقول، بلغت مسرحية “عبث” (الإمارات) شأوا بعيدا في قراءة إحداثيات الواقع المفكك على نحو غرائبي، في محاولة لإيجاد حلول إيجابية لمشكلات الحاضر، قابلة للتطبيق.
و أحيت مسرحية “مسافر ليل” (مصر) الأحداث التاريخية القديمة، مستدعية نص الشاعر صلاح عبدالصبور وتصوراته حول الكوميديا السوداء و الدراما السياسية، وتمكن العرض من فض الاشتباك بين أزمات ما بعد نكسة 1967، وكوابيس الواقع الراهن.
