حفيظة شفيق
القضايا النسوية وأوضاع المرأة العربية كانت قاسما مشتركا في العديد من المسرحيات من خلال زوايا ومشاهد متنوعة.
جاءت عروض مهرجان المسرح العربي التي اختتمت فعاليات دورته الحادية عشرة، الأربعاء، بالقاهرة، حساسة عميقة، منشغلة باليوميات و التفاصيل، متجذرة في الأرض ومنفتحة في الآن ذاته على الفانتازيا و التاريخ.
كثيرة هي الأجنحة التي يحلق بها فن المسرح كعنصر فاعل في منظومة القوة الناعمة العربية القادرة على التأثير والتغيير، وفي مهرجان المسرح العربي بالقاهرة استطاع الفن أن يجمع الفرقاء، ويبعث رسائل طمأنينة للمغبونين والمطحونين، ويعيد صوت النسوة المطموس إلى الواجهة، و يعرّي الحقيقة المريرة، وينكأ الجراح الظاهرة والمسكوت عنها.
و تمثلت أسرار نجاح عروض الدورة الـ11 في الانفلات و الجنون و العبث و الكوميديا السوداء و غزو قلاع الواقع بأسلحة الخيال.
لم تكن استثنائية الدورة الـ11 لمهرجان المسرح العربي في القاهرة التي انعقدت في الفترة الممتدة بين 10 وحتى 16 يناير الحالي بسبب كثرة عروضها، التي بلغت 27 عرضا بمشاركة 650 فنانا مسرحيا من دول عدة، وإنما بسبب مقدرة تلك العروض على تجسيد الفاعلية العضوية للثقافة، والقوة الناعمة العربية عموما، ليعود للفن صوته من جديد كنبض للبشر، ونافذة للكشف، ومسار للإصلاح.
قلب واحد ليلك ضحى“.. صرخة مدوية في مواجهة طيور الظلام“
اتخذت دورة المهرجان شعارا لها هو “نحو مسرح عربي جديد ومتجدد”، لكن الوجه المشترك الذي أطلت به العروض المتناغمة في توجهاتها وتشابكاتها تمكن في حقيقة الأمر من أن يفرز عنوانا آخر لم يجر اعتماده رسميا، هو “مسرح متعدد.. قلب واحد”.
و انتمت العروض المقدمة إلى فرق مختلفة من دول شتى، منها مصر و الإمارات والعراق والكويت والأردن وتونس والمغرب، وتلونت الأساليب و التيارات المسرحية المعاصرة والمبتكرة بألوان انطوت على التجديد المنشود في الطرح والتناول والجماليات والتقنيات، وهذا التعدد الذي عكس ثراء المسرح وتصدره متن صناعة الثقافة العربية في الوقت الراهن لم يتعارض مع حقيقة بدت زاهية دافئة في شتاء القاهرة البارد، وهي أن رجالات المسرح العربي من كل حدب وصوب “كلهم في الهم شرق”، و أنهم ملتقون من غير اتفاق مسبق على قلب رجل واحد.
“بإمكان الفن أن يصلح ما أفسدته السياسة”، عبارة تتردد كثيرا على سبيل الشعار والتمني والافتراض، لكنها تحسست سبيلها إلى التطبيق الفعلي في عروض مهرجان المسرح العربي، فمن أفكار السلام و التسامح والإخاء و المحبة و الطهر و الشاعرية و إضاءة الشموع، كما في “ليلك ضحى” ،”المجنون”، ” (الإمارات) و”سلالم يعقوب” (الأردن) و “طائر” (مصر)، إلى اشتراك فنانين من دول مختلفة في عرض واحد، كما في مسرحية “الرحمة” (الكويت) من تأليف العراقي عبدالأمير شمخي، و إخراج الكويتي فيصل العبيد، الأمر الذي جعلهم يتظلّلون تحت مظلة الثقافة الجامعة والموحدة.
رجالات المسرح العربي الذين ارتحلوا إلى القاهرة من كل حدب وصوب اتفقوا على أن “كلنا في الهم شرق“
“بمقدور المسرح أن يتبنى قضايا سياسية ومجتمعية وإصلاحية، ويلتفت بعناية إلى المغبونين والمطحونين، والنساء المقهورات المُعانيات، ناكئا الجراح الجلية والخفية”، عبارة أخرى خرجت من حيّز”الظاهرة الصوتية” في عالمنا العربي إلى دائرة الفعل والإنجاز في عروض المهرجان، التي أحيت مفاهيم قديمة متجددة حول الدور المجتمعي والسمت الأخلاقي للفن.
تعمقت مسرحيات المهرجان في قراءة خارطة معاناة الشعوب العربية على نحو تفصيلي، فـ”الطوق و الإسورة” (مصر) أبحرت في طبقات البؤس والحرمان السحيقة في أقصى صعيد مصر، مشرّحة كيف يقود الجهل والخرافة والانعزال إلى حالة تغييب كاملة.
و ناقشت “الحادثة” و”مسافر ليل” (مصر) بجسارة خضوع المجتمع للقهر والظلم إلى درجة عبودية السلطة، في إطار تاريخي وفلسفي، بهدف الوصول بالظرف الخاص إلى منظور إنساني عام. بدورها، أثارت مسرحية “المعجنة” (مصر) قضايا بالغة الجرأة فضحت عورات المجتمع ومعاناته من الانهيار الأسري والانحدار القيمي وتفشي العلاقات المبتذلة وغير المشروعة وتصاعد السلطات الأبوية والدينية والكهنوتية والسياسية.
و لمست مسرحية “تقاسيم على الحياة”( العراق) مأساة الإنسان النازف في واقع دمّرته النزاعات الطائفية والسياسية والأزمات الاقتصادية، مقترحة إمكانية التمرد والتغيير من خلال استرداد الإنسان وعيه ومواصلته نضاله وقنصه حريته الحمراء بيد مضرجة.
و أطلقت مسرحية ” ليلك ضحى ” (الإمارات) صرخة مدوية في مواجهة طيور الظلام وقوى التطرف والرجعية، فاضحة ممارسات الإرهاب وأساليب جماعات الإسلام السياسي المسلحة، وداعمة قوى التحرر الإنساني في معركة الاستنارة، وتناولت “قمرة 14 ” (تونس) الحاضر المظلم في مرحلة ما بعد ثورة 14 يناير 2011، طارحة سبل الخلاص والعبور بطوق نجاة عقلاني إلى المستقبل.
و انتقدت مسرحية “عبث” (المغرب) بضراوة الأوضاع المجتمعية والسياسية في البلاد، متخذة من الفلسفة الوجودية والقضايا المصيرية مدخلا للإسقاط على الواقع المحلي المأزوم، ورصدت “سلالم يعقوب” (الأردن) تحولات الإنسان البريء إلى قنبلة انتقامية من المجتمع، الذي يعادي الفكر والإبداع، و يقتل الخيال، ويقف في سبيل إنجاز الحقوق و تفعيل الحريات.
و جاءت القضايا النسوية وأوضاع المرأة العربية قاسما مشتركا في العديد من المسرحيات من خلال زوايا ومشاهد متنوعة، حيث وردت على نحو مفصل في عرض توجه إلى المرأة مباشرة، هو “نساء بلا ملامح” (الأردن)، و قد اتخذ من المرأة كحالة خاصة معبرا لبلوغ أزمة القهر التي يعاني منها الإنسان، بهدف استثارة الوعي و تحرير الإرادة.
