الرئيسية / مقالات الرأي / الدبلوماسية أسلوب حياة قبل أن تكون علما

الدبلوماسية أسلوب حياة قبل أن تكون علما

يمينة حمدي- صحافية تونسية مقيمة في لندن

الشخصية الدبلوماسية تقاس بقدرتها على النفوذ إلى أعماق الآخرين والتأثير فيهم والنجاح في إقناعهم، عن طريق إشراكهم في الحوار و إشعارهم بالارتياح، ليتحسسوا حجم المسؤولية.

لم أتساءل يوما عما إن كنت أتمتع بمقومات الشخصية الدبلوماسية أم لا؟ و لكن أساتذتي بالمعهد الثانوي لطالما لقبوني بـ”الدبلوماسية الصغيرة”، و لم أكن وقتها أدرك ما معنى الدبلوماسية، إلا أنني لجأت إلى القاموس لشرحها فوجدت أنها تعني اللباقة و البراعة في التعامل مع الآخرين.

و عندما كبرت أصبحت أكثر فهما لهذه الكلمة التي ترتبط في الغالب بالطريقة التي يتعاطى بها السياسيون و حتى الأشخاص العاديون مع الآخرين باعتبارها فن الممكن، وخاصة أثناء الخلافات و الأزمات التي قد تطرأ و يفترض التعامل معها بأسلوب خال من التشجنج من أجل إيجاد حل وسط يرضي الجميع، و ذلك عن طريق التحاور البناء و البعيد كل البعد عن التطاحن و القوة و البغضاء، بهدف إشاعة السلام و التسامح.

و لعلي بالفعل أحمل جزءا من صفات الشخصية الدبلوماسية، فلطالما تسامحت و تعاملت بدماثة خلق مع السلوكيات العدائية و السلبية لبعض زملاء الدراسة و العمل و تغاضيت عن الكثير من الأخطاء حتى تظل علاقاتنا قائمة، و يبدو أنني اكتسبت هذه الصفات من أمي التي تعاملت دائما بلطف مع الجيران الذين كانوا يطرقون باب منزلنا و هم يستشيطون غضبا من الخصومات التي كانت تنشب بين أخي الكبير و أبنائهم في طفولتهم، فلأمي قدرة كبيرة على ضبط النفس و امتصاص الغضب بكلماتها المتسامحة و أسلوبها السلس في حل المشاكل البسيطة و المعقدة. لكن من حسن حظي أنني تخصصت في دراسة الصحافة و ليس الدبلوماسية، و إلا لما كنت كتبت هذا المقال الذي بين أيديكم اليوم.

الشخصية الدبلوماسية تقاس بقدرتها على النفوذ إلى أعماق الآخرين و التأثير فيهم و النجاح في إقناعهم، عن طريق إشراكهم في الحوار و إشعارهم بالارتياح، ليتحسسوا حجم المسؤولية، و من ثم تمرير الرسالة المقصودة بأسلوب سهل و بسيط حتى يتمكنوا من فهمها و يقتنعوا بها.

و قد عرف الدبلوماسي البريطاني الراحل وليام سترانغ، الدبلوماسية بقولة “إنّها مسؤولية كل فرد عندما تصبح الحرب مأساة الجميع دون استثناء”.

و لكن السؤال الذي يحيرني اليوم و أنا أرى الإقبال الكبير على الدورات و المعاهد العالمية العريقة التي تعلم الدبلوماسية، لماذا تمنى معظم اتفاقيات السلام اليوم بالفشل، و هل من الممكن فعلا أن تُكتسب الدبلوماسية بالتعلم؟

حينما أرى الاضطرابات و النزاعات المسلحة و الأثمان الباهظة التي تدفع اليوم في معظم البلدان العربية، أصبحت مقتنعة تماما بأن تعلم الدبلوماسية عند الكبر أمر عسير للغاية، لأنها أسلوب حياة، قبل أن تكون علما يدرس في الجامعات، و إذا لم نكتسب صفاتها في الصغر عندما تكون عقولنا مرنة و مشاعرنا في طور التشكل، يصعب اكتسابها في اللحظة التي اتخذت فيها شخصيتنا الشكل الذي صارت عليه في مرحلة النضج.

و إذا كان الشاعر الإنكليزي الشهير ويليام ويردسويرث قد كتب في يوم ما “الطفل سيصبح والد الرجل”، و يعني بذلك أن شخصية الرجل تتكون في مرحلة الطفولة، فإن علماء النفس يؤكدون أن الطفولة المبكرة هي فترة نمو الدماغ و تكّون السلوك، و بالتالي لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل، و استثمار الوقت و الجهد في تطوير و تحسين مهارات الطفل المتعلقة بكيفية التحكم العقلاني و التفكير المنطقي، من خلال ما يتعلمه من الأسرة و المدرسة من دروس و عبر ستتيح له فهم طبيعة الحياة عند الكبر، و هذه أفضل الطرق لتعلم الدبلوماسية.

عن hafida khanouchi

تحقق أيضا

العالم ينتفض بنفس الشعارات و المطالب

عديد نصار- كاتب لبناني ثماني سنوات مرت على انتفاضة تونس التي امتدت أيضا إلى بلدان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

web theme