الرئيسية / مقالات الرأي / كفانا استخفافا…

كفانا استخفافا…

Copie de hafida 1

حفيظة الخنوشي

في مجتمع ذكوري يرى التهميش و التحقير و التبخيس و الدونية لدور المرأة الأساسي، الفعال و الحيوي حلا مناسبا لطمس  و حجب معالم و مواطن تخلفه و تحجره و ضعفه و فيه ترى أغلبية المنتمون إليه أن الرجل عقل و فكر و روح و أن المرأة ضعف و جسد و بضاعة رخيصة تباع و تشترى في سوق للنخاسة و الضرب بالعصا، و تنعت بكل أشكال و ألوان و صفات التدني و تحملها جميع مسؤوليات الانحطاط و الفشل و السقوط.

و للأمانة و لإعادة الحق لصاحبه، أقول اليوم بان المرأة و الرجل هما مكونين أساسين، حاسمين و حيويين في المنظومة المجتمعية، و أن بضاعة المرأة ليست في جمال جسدها و رونقه و قوامه الرشيق و قصة شعرها و تسريحته و مواد تجميلها و تبرجها ،  بل في مواد تربيتها و تعليمها و علمها و تسييرها و تدبيرها لأسرتها و مجتمعها، فجمالها و تفوقها و نجاحها في قوة ذاتها و شخصيتها و عزة نفسها و كرامتها و صيرورة كينونتها و تأقلمها و خفة روحها، و مستواها التربوي و التعليمي و الخلقي و الأخلا قي وقد شكلت المرأة وضعا استثنائيا داخل المجتمعات من خلال دورها المؤثر اجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا و سلوكيا على مر التاريخ و كتبت بحروف  من ذهب على صفحاته و سطّرت أسطراً من نور في جميع مجالاته، حيث كانت طبيبة و ملكة و قاضية وأديبة وداعية ومحاربة و ربانة طائرة و مقاولة ومستشارة …و قد أثبتت الدراسات و النظريات و الإحصائيات ذلك.

و لماذا تهنا عن ديننا الحنيف الذي يرسي قواعد مكينة لمكانة المرأة بالنسبة لكرامتها ولمساواتها بالرجل ولحقها في المشاركة الفعلية العريضة في شؤون الحياة، كما فعلت كثير من فضليات النساء في كثير من حقب التاريخ.

أجل، ديننا الحنيف كرم المرأة و لا يريد دفن طاقاتها و مواهبها و مهاراتها وسلب أي دور لها في الأسرة أو المجتمع، بل العكس تماماً فهو يريد أن يفعّل طاقات المرأة في الاتجاه الصحيح، لتكون عنصراً فعالاً له دوره الإيجابي والبناء في الأسرة و المجتمع، فالفعالية ليست خاصة بالرجال بل هي تكليف للمؤمنات كما كانت تكليفا للمؤمنين…

أجل، في ديننا الحنيف كرم الله عز وجل المرأة و أخرجها من براتن الجهل و بؤر الفساد و منحها نعمة التمتع بكامل حقوقها و أهليتها و قيمة تليق بها و بمكانتها و قد ساوى بينها و بين الرجل في أقوال كثيرة و منها قوله تعالى : ” من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه  حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون” (سورة النحل، الآية 97)، و ” وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر”، كما يقول الحبيب صلى الله عليه و سلم في الحديث الشريف : “إنما النساء شقائق الرجال”، فالمرأة في الشريعة الإسلامية شقيقة الرجل، لها مثل حقوقه داخل الأسرة وخارجها، ولها مثل الذي عليها بالمعروف…تلك هي بعض المعالم الرئيسة في نظرة الإسلام المنيرة إلى المرأة، وهي نظرة بعيدة تماماً عن النظرة الدونية و المتدنية إلى المرأة التي أفرزتها أوضاع متخلفة و متحجرة في تاريخ الحضارة العربية و الإسلامية اختلطت مع مرور الزمن بتعاليم الإسلام وروح الشريعة.

فالمرأة ليست فقط كما يقولون نصف المجتمع، بل هي المجتمع كله و القلب النابض المحرك لحياته و كيانه، فإدا كان القلب سليما، صحيحا، معافى..، أحيى شرايين و عروق الجسد و كيانه  و إذا مرض القلب أو مات مرض أو مات كل عضو في الجسم و الجسد و كيان المجتمع ككل و بالتالي عليها يعتمد صرح و قوام و بناء المجتمع و خاصة الأسرة، اللبنة الأولى لتربية و تنمية الموارد البشرية الصغيرة و تنشئتها و تعليمها مبادئ الحياة الاجتماعية و المجتمعية و العادات الصحية السليمة و فيها يوضع حجر الأساس التربوي و التعليمي و الأخلاقي و الخلقي لأفراد المجتمع.

و للأسف، لا تزال المرأة إلى الآن في مجتمعاتنا العربية و الإسلامية تبذل مجهودا أكبر من الرجل و تكد و تجتهد و تكدح وتساهم بكل طاقاتها في رعاية بيتها وأفراد أسرتها بحيث أن دورها في المنزل يتعدى دور العناية بالطعام واللباس وتنظيم أمور البيت، فهي الأم التي تنجب وتربي وتعلم وترعى أطفالها و يقع على عاتقها أغلب أو كل مسؤولية التربية و التدبير في تربية الأطفال وتعليمهم وتأمين مطالبهم بما تحمل الكلمات من معنى، و هي الزوجة التي تدير كل شؤون البيت و الزوج و متطلباته (التي في أغلب الأحيان لا تنتهي) و هي رفيقة الدرب التي تقف إلى جانب الرجل يداً بيد، من أجل تحمل الصعوبات و مواجهة الشدائد والتحديات في الحياة، وهي البنت و الأخت اللواتي ترعيان و تراعيان أخواتهما و إخوانهما و تساهمان في توازن و إدارة الأسرة، و هي أيضا المساندة التي تساهم في تخفيف العبء عن الرجل ومشاركته المسؤوليات… و بالتالي تساهم المرأة في بناء المجتمع وتطوره ونموه من خلال كل المهام والأدوار المختلفة التي تؤديها مما يجعل مكانتها و دورها رئيسا و حيويا في تحقيق الإزدهار و الاستقرار و لا يمكن قطعا إغفاله أو تهميشه أو مسحه أو التقليل من أهميته و خطورته ، ولا يمكن أن تستمر الحياة الاجتماعية و الأسرية و المجتمعية وتتطور وتزدهر بدون وجود المرأة كما لا يمكن للرجل أن ينكر دورها المُكمّل والأساسي في حياته وبيته وفي المجتمع بشكل عام.

و طبعا لن تتمكن المرأة من تأدية رسالتها بالأمومة والتربية و التعليم و التدبير و التسيير الأسري و المجتمعي و إعطاء القوة لمحيطها إن لم تكن مدعمة و مهيأة نفسياً وتربوياً واجتماعياً و ثقافيا لهذه المهمة المقدسة. و صدق من قال أنها مدرسة، إذا أعددتها، أعددت شعبا طيب الأعراق  و كما قال سيد الخلق صلوات الله عليه بأن المرأة “لا يكرمها إلا كريم و لا يهينها إلا لئيم”، كما أوصانا كذلك ” أوصيكم خيرا بالقوارير” (أي النساء) و الأمثلة كثيرة، لا تحصى و لا تعد.

و سؤالي هو: ” لماذا نوجه أصابع الإتهام للمرأة دون الرجل و هو المحرك الرئيسي للعبة يصول و يجول في قواعدها كما يريد و لا توجه له الأصابع؟  فكما للمرأة واجبات لها حقوق أيضا و كما للرجل حقوق له واجبات أيضا تجاه الأسرة في شخص المرأة (أكانت الأم، أم الزوجة، أم البنت، أم الأخت…) و الأبناء و تجاه المجتمع، فكلاهما أي المرأة و الرجل جزء لا يتجزأ من مكونات التوازن و التكافؤ و الازدهار و الطمأنينة و الاستقرار الأسري و المجتمعي.

فالنساء و الرجال على حد سواء بنيان متراص يكمل بعضهم البعض معا لتكتمل الحياة بأداء كل منهما دوره الحقيقي من أجل بناء الأسرة و المجتمع على الوجه الصحيح، و كل ما اتحدا و تراصا و التحما كانا رمزا للنجاح و التقدم و التلائم و التلاحم و الازدهار و الاستقرار…

فكفانا إذن صراعا و جفاءا و مشاحنة و استهتارا و تضادا و تجريحا و تبخيسا و استخفافا بمقومات بعضنا البعض و خاصة المرأة فإذا ما المجتمع بجميع مكوناته، بجميع أطيافه وفر لها الظروف الملائمة و المناخ المناسب لإصلاحها و تعليمها و تقويمها وتربيتها تربية صالحة ، أعدت جيلا صالحا ، واعيا و متعطشا للعلم و المعرفة و متطلعا لكل ما هو سامي و راقي يكون نتاج مزهر لكل زمان و مكان.

في الأخير لا يسعني إلا أن أقول للرجل لماذا هذا التنافر و “التطاحن” و التباعد و الاستخفاف و التهميش في قضية المفروض “رابحة” تجمعك و تقربك من المرأة كأم و ابنة و أخت و زوجة و رفيقة درب و صديقة في نفس المسار و نفس الدرب و نفس الطريق و نفس الهدف…لبناء أسرة و مجتمع  و وطن يطبعه السمو و الرفعة.

و أقول لك سيدتي اتركي “الند بالند” و التفاهة و السطحية و الجهل و التجاهل في الدرج الأسفل و اصعدي سلم النجاح و التألق بسلاح العلم و المعرفة و ابحثي عن مراكزالقوة بداخلك و اجعلي من أولوياتك الحكمة و القيم الأخلاقية و التدبر و الثبات و ارسمي عالما  يطبعه جمال الروح و العقل و ينيره الرضى و الصلح و التصالح مع الذات و مع الآخرين و يميزه الرقي و التغيير ، بخطى ثابتة و واثقة ، إلى الأحسن كما جاء في قولة غاندي الشهيرة “علينا أن نكون نحن التغيير الذي نود رويته في  العالم”.

 

عن hafida khanouchi

تحقق أيضا

“البريكست” و النموذج النرويجي

يونس شهيم – متصرف تربوي بمديرية الحي الحسني و باحث في علوم السياسة تعيش بريطانيا …

2 تعليقان

  1. خديجة بوخراس

    مقال رائع يستحق القراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

web theme